17‏/02‏/2006


الطاهر بنجلون في الدار البيضاء
احتضنت قاعة عبد الله إبراهيم أول أمس ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر و الكتاب لقاء مفتوحا مع الكاتب المغربي الطاهر بنجلون الذي حضر من أجل مناقشة و تقديم عمله الجديد "الرحيل".
تميز اللقاء بحضور مكثف للجمهور من مختلف الأعمار.
أخذ الكلمة في البداية مليم العروسي وقال بأن الحضور المكثف للجمهور هو في الحقيقة تكريم لكاتب كبير كالطاهر بنجلون باعتباره إرثا وطنيا. ورمزا يدافع عن القضايا العادلة كقضية الشعب الفلسطيني أو يساير هموم الشعب المغربي في تكوين الذات أو الدفاع عن المهاجرين وقضاياهم . كما حكى عن قصة بداية ولعه بكتابات بنجلون انطلاقا من "حرودة" إلى "الرحيل".
بعد ذلك تناول الكلمة الطاهر بنجلون و أشاد بوجود أطفال في المعرض حيث لاحظ تواجدهم المكثف في طريقه للقاعة الشيء الذي ينبؤ بمستقبل أفضل من خلال اهتمام الجيل الجديد بالكتاب لأن القراءة فعل يلقن. ثم مر مباشرة للحديث عن موضوع لابد أنه آثر التطرق له حتى يجنب الحاضرين عناء طرح سؤال حوله، حيث قال إنه لا يكتب باللغة العربية لسبب بسيط هو أنه لا يثقنها ولا يريد التطاول عليها. ولن يمارس أي نوع من الديماغوجية بتقديم وعود بالكتابة بها.
وعن دور الأديب يقول بنجلون بأن الكاتب شاهد على حقبته ومجتمعه. والشاهد لا يكون دائما سلبيا بل شاهدا متيقضا. ينظر حوله ، يلاحظ ويكتب ويصف ويسجل ويحكي القصص . ويقول ساخرا "إنهم يسألونني في فرنسا لماذا لا تكتب عن فرنسا كما تكتب عن المغرب فأجيب بأن فرنسا لا تحتاج لكتاب فلها المئات ، أما المغرب فهو في أمس الحاجة لي ولأمثالي ولحسن الظن أن في المغرب كتابا باللغة العربية والفرنسية والأمازيغية أيضا وهذا ما يخلق غنى المغرب الذي يتميز شعبه بخيال خصب قوي وواسع".
وعن روايته الجديدة "partir" التي ترجمت بـ"الرحيل" يقول إن الرحيل لا يعني الموت بل هو اقتلاع. والاقتلاع من الجذور هو التعبير الحقيقي الذي يخدم الرواية وهو المعنى الذي قصد. وأضاف بأنه لا ينتظر من رواية كيفما كانت درجة قوتها تغيير المجتمع المغربي وخلخلته ولكن على الأقل زرع تقليد القراءة. وبعد هذه الدعوة المفتوحة لتشجيع القراءة من الكاتب المغربي فتح باب الحوار مع الجمهور و عبر عن استعداده و انفتاحه على أي سؤال.
وقد ركزت معظم الأسئلة وتمحورت حول مشكلة الهجرة والعلاقة بين الشمال والجنوب وسوء الفهم السائد بين الطرفين . وقال بنجلون بأن هناك شرخا عميقا بينهما ، وقضية الرسوم الكاريكاتورية جاءت لتؤكد ذلك . حيث أننا لسنا متجاهلين (بفتح الهاء) فقط بل موضوع احتقار أيضا والشيء الخطير هو أننا لا نعرف أن نوصل لهم من نحن في الحقيقة ، وتقديم الصورة الحقيقية و المشرفة لنا لأننا لا نملك لا وسائل ولا صيغ التواصل.
وحول موضوع الكتابة باللغة العربية الدارجة يقول بنجلون أن دخول اللهجات في مجال الكتابة الأدبية سيقطع أواصر التواصل بين البلدان العربية ويخلق تشرذما لسنا في حاجة له في مثل هذه الأوضاع.
وحول كتابه "الإسلام مفسرا لابنتي" يقول إنه بدل مجهودا كبيرا للتعريف بحقيقة الإسلام. وترجم الكتاب حتى للغة الدانماركية وقدم محاضرات وعروضا هناك. ومع ذلك، يقول بنجلون، لم يمنع مجهوده مجموعة من "السلاكيط" من الإساءة للرسول (ص) والدين الإسلامي.
ويقول بنجلون إن الإساءة للإسلام أتت من مجموعة من الجهال ولا يمكن إعطاء أهمية للجهلة . وموقفه واضح في هذا الباب ، وعبر عنه في مقالات مكتوبة وللصحافة المسموعة والمرئية.
و في جوابه عن سؤال مختلف يعزو حضور تيمة الضعف الجنسي في كتاباته إلى كونه التحق في بدايته للعمل في مستشفى فرنسي يزوره العمال المهاجرون و كان الكثير منهم يشكوا من مثل هذا الاضطراب و هو يستعمله كرمز للحياة و الوجود لأن الانسان بلا جنس هو كائن ميت.
و قد أبان بنجلون في هذا اللقاء على حس فكاهي و ظرف و دعابة و مهارة كبيرة في التخاطب مع الجمهور و التحاور معه. و لم يقطع حبل التواصل الأدبي هذا سوى اصرار القيمين علي القاعة لإخلائها نظرا لقرب موعد نشاط آخر.

16‏/02‏/2006


خرج المغربي محمد مفتكر :
على المخرجين والمنتجين أن يكونوا في المستوى وينصتوا لنبض المجتمع المغربي

إذا كانت الجوائز التي وزعتها لجنة التحكيم في المهرجان الوطني الأخير للفيلم بطنجة عرفت نقاشا حول مدى أحقية هذا الفيلم أو ذاك بالجائزة الكبرى . فخلافا لكل نقاشات الكواليس هذه كان اختيار اللجنة لفيلم "رقصة الجنين " لمحمد مفتكر بالاجماع. حيث استقبل بالهتاف و التصفيق من الجميع. محمد مفتكر مخرج شاب لكنه مع ذلك يحمل هموما كبيرة . التقيناه في هذا الحوار الصريح ليحدثنا عن مشروعه لبناء لغة سينمائية مغربية ببصمة مميزة .

* كيف كانت انطلاقتك في الحقل السينمائي ؟
** لقد بدأت في الميدان السينمائي كتقني وكمساعد مخرج في مجموعة من الأفلام المغربية . وكنت المسألة كلها بالنسبة لي مرحلة مؤقتة مادام حلمي الكبير وهدفي الأسمي هو أن أصبح مخرجا سينمائيا. واخترت هذا الطريق لأن المغرب لا يتوفر على مدارس للسينما. بعدها درست السينما في أوربا وشاركت في ورشات عدة في كل من فرنسا وألمانيا وتونس . واشتغلت أيضا كمساعد في كتابة السيناريو ، بعد أن خضعت لتكوين في مجال الكتابة . ثم أخرجت فيلمي الأول بعنوان "ظل الموت" وبعده مباشرة الفيلم القصير "رقصة الجنين".
* في البداية لنتحدث عن "ظل الموت"..
** الفيلم يحكي إحباط الشخصية الرئيسية من خلال الشك الذي يخيم عليها دون معرفة إن كان ما تعتقده صحيحا أم خاطئا. إنها هلوسة تؤدي بالبطل للإنتحار. الشخصية الرئيسية تشك في أن لأبيه علاقة جنسية مع زوجته مما يدفعه لقتلهم ومحاكمتهم كجثث وفي الأخير يكتشف أنه لم يقتل أحدا وأن كل ذلك كان متخيلا . وبما أن شكه قد انتصر عليه فلم يستطع أن يواجه الحقيقة الذهنية فكان الحل الوحيد أمامه هو الانتحار. شارك في التمثيل حسن الفذ والسعدية لاديب و فاطمة الشيكر.
* على حد علمي فسعدية لاديب ستشاركك في فيلمك القصير الثالث.
** لا أعتقد ذلك لقد اعتذرت لأسباب شخصية جدا وأنا أحترم اختيارها.
* نعود لانتجاتك. ماذا عن الفيلم الثاني "رقصة الجنين"؟
** بالنسبة لهذا الفيلم فالطرح السينمائي يتشابه مع الفيلم الأول. الفرق الأساسي هو أن الشخصية الرئيسية امرأة. امرأة ذات مستوى ثقافي تريد أن تجهض نفسها وتتردد في الإقدام على هذه الخطوة. ترددها يجعلها تدخل في هستيريا، وتعيش عوالم داخلية تصفي فيها حساباتها مع نفسها ومع ثقافتها وفي آخر المطاف تعدل عن الإجهاض وتقرر أن تحافظ على الجنين.
* ما هو الخطاب الذي أردت إيصاله بهذا الفيلم؟
** في الحقيقة أنا لحد الآن و في إطار الفيلم القصير أقوم بعدة تجارب سينمائية. و بصدد الانكباب على دراسة مشروع كتابة سينمائية تمكنني من التعبير بدقة عن اهتماماتي وانشغالاتي السينمائية. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى كيف يمكن أن أجد كتابة سينمائية تتطابق مع ما يقع حاليا في المجتمع المغربي. الخطاب أساسا هو خطاب سينمائي محض إنه بحث عن لغة سينمائية تعبر عن هموم وانشغالات وفرح المجتمع المغربي . وبموازاة ذلك أنا أمثل جيلا، بكل إحباطاته وأهدافه وأحلامه . ومن خلال أفلامي أريد أن أنقل هذا التصور وأعرف إلى أي حد أنا قريب من هذا الجيل الذي أمثله. الجيل الذي يحلم وحلمه دائما أمامه حواجز ، جيل في صراع مع الأب مع السلطة وفي صراع مع الماضي.
* هل يمكن اعتبار الحلم الذي لم يتحقق للجيل الذي تعبر عنه وتنتمي إليه هو ذلك الجنين الذي أرادت بطلة الفيلم إجهاضه؟
** أجيبك بطريقة غير مباشرة في الفيلم الأول "ظل الموت" كان قتل الأب كحل لم يكن مناسبا وهو الأمر الذي دفع الشخصية الرئيسية للانتحار لأن قتل الأب يعود بك لنقطة الصفر وقتل الأب يتطلب البديل، وفي غياب هذا البديل فإنه يضع الإنسان في الفراغ والعدم. وفي الفيلم الثاني لم يكن هناك قتل للأب بل إحياء للجنين والإيمان بالذات ، والمحافظة على الجنين هو الحل الذي اختارته الشخصية، إنها رؤية مختلفة تماما عن الفيلم الأول. الاختلاف بين قتل الأب والإيمان بالنفس وبالمستقبل هي دعوة لمواجهة الواقع بكل سلبياته ومشاكله.
* سأكون صادقا معك، في الحقيقة الآن بدأت تتوضح الرؤيا لكن من قبل لم أفهم شيئا في فيلمك "رقصة الجنين" هل هذا تقصير منك؟
في الحقيقة عندما يقول المتفرجون لم نفهم الفيلم فهذا أمر لا يسيء إلي لأنه يسدي لي خدمة. الهدف الذي يتوخاه الفيلم هو أن لا يأخذ الطريقة الخطية، ومن هنا ففيلمي نقطة تحول ..إنه فيلم مشوش . ولكن ما هو أساسي بالنسبة لي هو أن يقول المشاهد أن فيلمي يمنح المتعة ويثير الاهتمام. هناك لغة سينمائية وصورة حاضرة بقوة. وهذا بالنسبة لي هو التحدي الحقيقي. إن أساس الانشغال في الفيلم هو التعامل معه كقطعة موسيقية تتفاعل معها، تفرح ، تحزن، ولكن دون فهم نوتاتها وتقاسيمها. لقد كنت أكتب الفيلم وأنا أتساءل كيف أكتب فيلما يشبه القطعة الموسيقية بلحظاتها القوية ولحظات التحول ولحظات الهدوء إلخ. ينتهي الفيلم ويتركك في حالة خاصة تخرج عن الحالات التي تعودناها في الأفلام ذات الخط السردي الخطي بالمقدمة والعرض والخاتمة . وهو ما يختلف أساسا عن انشغالي الفلسفي في الوقت الراهن. أن يقول المشاهد: لم أفهم الفيلم، فهذا يرضيني.
*حقيقة الجمال حاضر والفهم غائب وهو ما دفع البعض للقول أن مفتكر يقدم سينما نخبوية.
** مادمنا نتحدث عن الفيلم القصير فالاختبار جائز ومحاسبتي تكون في غير محلها ، لأنه من أهداف الفيلم القصير هو الاختبار لأنه لا يدخل في إطار السيرورة التجارية التي من خلالها يمكن أن يحاسبك المنتج والموزع وغيرهما. إن في الفيلم القصير هامش من الحرية. لقد شاهدت أفلاما قصيرة أكثر تطرفا من أفلامي. كما لاحظت أن المشاهد الغربي يتفاعل بشكل مخالف مع فيلمي مقارنة بالمشاهد المغربي أو العربي.
* أين يكمن هذا الاختلاف؟
** الفرق يكمن في أننا نحن العرب ثقافتنا مرتبطة بالكلمة أساسا ، أغلب الأمور تمر عبر الكلمة . والكلمة بالضرورة يجب أن تكون مفهومة بدرجتها الأولى للفهم وللأسف لا نملك ثقافة للصورة ونحن نحاول الآن تأسيسها، ومازلنا في مرحلة البحث. مرجعيتنا "الصوروية" غربية شئنا أم أبينا ونحن نحاول الآن تكييفها مع الواقع الغربي، وبالتالي نسير نحو حل إشكالية الصورة . رإن أي قطعة من الديكور تكسب أهمية كبيرة لأنها تعبير عن أمر ما ، مثلها مثل النظرة أو الإنارة أو اللون . كل هذه العناصر تتماهى لتحكي قصة وتخدمها. المشاهد الغربي له قدرة أكبر على قراءة الصورة. أما بالنسبة لنا فالابتعاد عن التعبير اللغوي يجعل منك حالة خاصة ويتعامل معك الآخر على هذا الأساس.
* ننتقل إلى موضوع آخر. كيف كان تعاملك مع الممثلة أمال عيوش؟
** كنت أعرف أمال قبل إنجاز الفيلم اتصلت بها لأني أحسست أنها ممثلة مناسبة للدور. كان لها في البداية نوع من التخوف والتحفظ لأنها لم تكن تعرف طريقة اشتغالي وبعد أن حكيت لها السيناريو لقطة لقطة وجعلتها تعايش عوالمه قبلت وأنا كنت راضي عن أدائها لأنها ممثلة ملتزمة.
* وماذا عن مشاريعك المستقبلية؟
** أنا بصدد الإعداد لتصوير الفيلم القصير الثالث تحت عنوان "استيهامات" وهو فيلم أقل هستيريا من الأفلام الأخرى ، كي أتصالح مع جمهوري (يضحك) وفي نفس الوقت أكتب فيلما تلفزيونيا . وعلى المدى البعيد، أنا أفكر في مشروع الفيلم الطويل الأول.
* حدثنا أكثر عن "استيهامات"
** إنه فيلم يحكي عن لقاء ثنائي بين رجل وامرأة. الرجل الذي يلعب دوره محمد الجعيدي يريد أن يعيش مغامرة خاصة ويلتقي من إحدى بائعات الهوى وهذا اللقاء سيؤدي إلى مغامرة تفضي لنهاية ستفاجئ الجميع! إنه اختبار جديد لي وتهيئة للفيلم الطويل الأول.
* أظن أنك من المخرجين القلائل الذين لا يمتلكهم هوس الأفلام القصيرة الثلاث للوصول إلى الفيلم الطويل!
** إن المخرج والإخراج أمر يمتد مع الزمن ولا يمكن للإنسان أن يصبح مخرجا بين عشية وضحاها. إنه مشروع يتمدد ويمشي مع الزمن
ولحد الآن أي ،منذ 18 سنة من الاشتغال في السينما من دراسة وعمل وإخراج ، مازلت أتكون لأصير مخرجا حقيقيا والتكوين يأتي بالإبداع والمقارنة وهذا ما يحقق نضجا سينمائيا، وإبداعا بصفة عامة.

* وماذا عن الفيلم التلفزيوني؟
** التلفزة تقتضي طرحا آخر وتناول آخر . إنه يحكي عن طبيبة نفسية تعيش مغامرة مع إحدى مريضاتها حيث تظن أنها مسكونة بالجن بينما الطبيبة ترى الأمر غير مساير لقوانين العلم الحديث. وعلاقتها بالمريضة تجعلها تدخل في صراع خاص مع نفسها ومجتمعها وأسرتها وفي الأخير تكتشف أن قناعاتها العلمية موضوع شك. أنا لا أعطي جوابا ولكن العلم لم يستطع الإلمام بجميع الظواهر وتفسيرها.
* لقد لا حظنا أنك تطرح مشاكل ذات طابع وجداني خلافا للآخرين، يطرحون مواضيع ذات طابع يومي ..
** بالنسبة لي عدو الإنسان هو نفسه وليس الآخر، في الوقت الذي تحل مشاكلك مع نفسك وتتصالح معها، يمكنك بالتالي أن تواجه المجتمع بنضج وعقلانية إنه صراع داخلي وهذا ما يجعل المشاهد يجد صعوبة في الفهم لأني أحاول نقل صراع ذهني إلى صورة مرئية.
* ما هو محور فيلمك الطويل؟
** سأحاول أن أطرح فيه مسألة الإبداع، ما هو الإبداع؟ ما معنى أن تكون فنانا؟ ما رأي المجتمع في المبدع؟ وكيف ينظر له؟ وطبعا أصوغ كل هذه الأسئلة على شكل قصة وحكاية، هذه خطوط رئيسية فقط.
* لقد حللت مشكلة السيناريو كباقي المخرجين المغاربة بكتابة سيناريوهاتك بنفسك..
** أنا أكتبت أفلامي لأن لي تكوين في السيناريو كما في الإخراج، ونحن نعيش الآن أزمة حقيقية في الكتابة عبر عنها بشكل غير مباشر مهرجان طنجة الأخير. فالسينما المغربية لم يعد لها أي مشكل في كل ما هو "تقني" لم يعد هناك ارتجال أو بدائية في التقنية وأصبح المشكل يكمن في المضمون والحكي والإيقاع وهذا من اختصاصات السيناريو، لأن الفيلم الجيد ينطلق من سيناريو جيد منذ البداية. إنه مشكل حقيقي وكبير، وعلينا مواجهته بمساعدة الكتاب وتأطيرهم وتنظيم ورشات وتتبعهم.
* كيف ترى مستوى السينما المغربية؟
** إنه مستوى مشرف، هناك رغبة سياسية لتطوير السينما، وهناك جمهور متعطش للأعمال المغربية ويطلب المزيد. في وقت مضى كان مجرد عرض فيلم مغربي يعتبر حدثا في حد ذاته، أما اليوم فالمتفرج المغربي أصبح متطلبا ويخضع الفيلم المغربي لمقارنات قاسية، يجب تشجيع الجمهور للذهاب إلى القاعات السينمائية. وأظن أن السينما الآن بين أيادي أمينة على مستوى التسيير والقيمون على أمورها في مراكز القرار "يفهمون جيدا في السينما" وعلى المخرجين والمنتجين الآن أن يكونوا في المستوى وينصتوا لنبض المجتمع المغربي. يجب الاتحاد من أجل مشروع سينما في هذا البلد لا أقصد إنجاز فيلم بل مشروع كتابة سينمائية مغربية والتي لا ينجزها مخرج واحد بل المبدعون جمعاء من سينمائيين ونقاد وصحفيين الكل يضع لبنة صرح سينمائي مغربي متميز، لأن البلد لا يمكن أن يمثل في الخارج إلا بثقافته.
* هل صحيح أن هناك معركة خفية ومعلنة بين ما يسمى بجيل الرواد وجيل الشباب في حقل السينما؟
* إنها ليست معركة، لقد سبقنا جيل الرواد واستفدنا منهم كثيرا ونحن الآن بدورنا نريد أن نضيف للسينما المغربية إنها ليست معركة بل هو صراع الأب مع الابن إنه تمرد وتمرد خافت، ولا أحد منا يمتلك الحقيقة.
أجري الحوار جمال الخنوسي

09‏/02‏/2006


عمر سليم يقدم طبقا ثقافيا بتوابل مغربية

تعرض القناة الثانية برنامجا ثقافيا باللغة الفرنسية ( arts et lettres ) ينشطه عمر سليم مساء كل آخر اثنين من الشهر. البرنامج عمره ثلاث سنوات من الخبرة ، وتوفق كثيرا في اختيار مواضيع جذابة و متنوعة المضامين آخرها كان حول الكوميديا بحضور الطيب الصديقي و حميدو عبد الرؤوف و صلاح الدين بنموسى . و حلقة أخرى كان موضوعها الطبخ المغربي وضمت كلا من عبد الرحيم بركاش وشميشة وغيرهما . يقول عمر سليم مقدم البرنامج إن فكرته و كان ينتظر الوقت المناسب لإنجازها لأن مثل هذه البرامج نادرة في القناتين المغربيتين ، بالإضافة إلى أن المغرب اكتشف أن الثقافة يمكن لها أن تكون محركا اقتصاديا واجتماعيا وتخلق انتعاشا عاما . وقدم مهرجان الصويرة كمثال حيث خلق رواجا سياحيا واقتصاديا واجتماعيا لا يستهان به ، وأصبحت مدينة كالصويرة معروفة في جميع أنحاء العالم بمهرجان كناوة مثلا .
ولابد من الاعتراف بأن قسطا وافرا من جاذبية البرنامج مصدرها لباقة عمر سليم وحسن تدبيره للقاءات والتي أخذها عن تجربة طويلة في إذاعة ميدي 1 وكمدير برامج في القناة الثانية . حيث قام بمهام مختلفة وقدم برامج متنوعة في ميدي 1 . و من ذكرياته الطريفة أنه غطى القمة العربية الاستثنائية سنة 1987 وبعدها بالضبط قدم مباراة رياضية في كرة القدم!! ويضيف سليم بأن التعامل مع الراديو أصعب بكثير من التلفزيون لأن المسألة ليست تقنيات أو لوجستيك بل في الأول يجب نقل الأحاسيس اعتمادا على الصوت فقط بينما في الثاني فهناك بالإضافة للصوت ، الصورة و الديكور والضوء وغيرها من المؤثرات. فالتلفزيون له إشعاع لا تملكه الإذاعة ، حيث يعتبر المهنيون سنة واحدة في التلفزيون تقارب خمس سنوات في الإذاعة.
لكن الملاحظ هو أن البرامج الثقافية (وغير الثقافية أيضا) الناطقة باللغة العربية كتب عليها قالب متخشب و مصطنع ولغة "عالمة" لا تجذب أحدا ولا تخاطب أحدا وتناجي نخبة لا تفهمها بالأساس. فهل من الضروري للبرنامج الثقافي أن لا يفهمه أحد حتى يكون "ثقافيا" ويغرق في المفاهيم العرنسية المشوهة ؟ يقول سليم إنه اختيار اللغة الفرنسية لأنه متمكن منها ويتقنها . إضافة إلى أن جل أطوار دراسته كانت باللغة الفرنسية انطلاقا من البعثة الفرنسية مرورا ب "ليسي ليوطي" ووصولا إلى جامعة السربون الباريسية. ويضيف مازحا أن طريقة نطقه بالعربية "عروبية" جدا و ستنفر المشاهدين في خمس ثواني لا محالة!!
إن اللغة الفرنسية حسب عمر سليم لغة سهلة في التواصل مثلها مثل اللهجة الدارجة فهي أيضا مرنة إلا أنها محتاجة لنوع من الاهتمام و الرعاية. أما اللغة العربية فهي لغة جميلة ومتينة ولغة شعر و تحمل صورا تنطق بالجمال، إلا أنها صعبة وأمامها عدة عراقيل في بلد يعاني 50% من ساكنته من الأمية. وقد نجحت قلة من المنشطين المغاربة تجاوز هذه العقبة كنسيمة الحر وعتيق بنشيكر. ويرى سليم أنه على مقدمي البرامج التعامل "بلغة ثالثة" تجمع بين العربية البسيطة السلسة و الدارجة السهلة و المفهومة.
و من مميزات برنامج "فنون و آداب" انضباط الحوار و صرامته و التزامه بنقط متعددة ومختلفة معدة سلفا دون السقوط في النمطية أو الشراسة التي نلحظها في برامج قنوات أخرى حوارية وصدامية التي تعتمد على "صراع الديكة". و عندما تستفز عمر سليم بالقول أن برنامجه تقليد للبرنامج الفرنسي الشهير "حساء الثقافة" و مقدمه برنار بيفو يتهرب في لباقة ضاحكا: هل تعلم أن برنار بيفو كان معلقا رياضيا!! على أي حال طبختنا الثقافية نحن أيضا ممتعة و تحتاج للتشجيع.
جمال الخنوسي


"ميونخ" لمخرجه ستيفن سبيلبرغ :
فيلم جميل للمشاهدة .. بتحفظ !!

قبل أن تذهب لمشاهدة فيلم "ميونخ" لمخرجه ستيفن سبيلبرغ عليك أن تدع كل أفكارك واعتقاداتك على باب السينما، أزل عنك كل الشوائب والأفكار المسبقة التي ربما كونتها بقراءات هنا أوهناك حول الفيلم. عليك أن تدخل القاعة تملؤك رغبة واحدة و بلا خلفيات: "مشاهدة عمل فني" لابد أن الأمر سيكون صعبا لأننا نحمل جميعا قضية ( القضية الفلسطينية) في عقولنا وقلوبنا ونؤمن جميعا بمشروعيتها وعدالتها. كيف نوفق إدن بين هذه الازداوجية المزعجة أساسا لتقييم أي عمل فني. لنحاول.
الفيلم عرض عند صدوره في فرنسا في أكثر من 400 قاعة دفعة واحدة في 25 يناير الماضي. و يحكي قصة واقعية تتمحور حول العملية التي قام بها كومندو فلسطيني في الدورة الأولمبية بميونخ في 5 شتنبر 1972. الكوموندو الذي أطلق على نفسه اسم " شتنبر الأسود" استطاع أسر 9 رياضيين إسرائليين مشاركين في الألعاب. سيأخذ الكومندو 9 رهائن بعد قتل اثنين في محل إقامتهم بالقرية الأولمبية وبعد 23 ساعة سيقتل جميع الرهائن . لكن العالم ـ يقول صاحب الفيلم ـ سيكشف وجها جديدا للإرهاب حيث سيتابع العملية قرابة 900 مليون مشاهد مباشرة على شاشات التلفزيون.
بعد أن رفضت حكومة غولدامايير إبرام أي صفقة مع الكومندو الفلسطيني قررت القيام بعملية مضادة وانتقامية مما حدث في ميونخ سمتها "غضب الله" يترأسها عميل الموساد الشاب "أفنار" رفقة 4 رجال آخرين يتكفلون بملاحقة 11 عنصرا من منظمة "شتنبر الأسود" والذين اعتبرتهم إسرائيل المسؤولين على أحداث "ميونيخ".
العملية كلها ما زال يلفها نوع من الغموض لأن ملفاتها في إسرائيل مازالت مصنفة "سري للغاية" في بلد في حالة حرب دائمة.
الفيلم يتميز بتقنية عالية ويبرهن مرة أخرى على تمكن سبيلبرغ من أدواته السينمائية وقدرته الفائقة في التعبير. فشخصية البطل تجمع بين صفتين متناقضتين القوة والضعف، الثقة والشك.. هذا ما سيجعل إحدى شخصيات الفيلم تقول ، بعد فحص يدي البطل ، "بالرغم من رقتك فلك "يدا جزار".
الفيلم مدته ساعتان و40 دقيقة. وبالرغم من تكرار عمليات القتل لا يمكن اعتباره في أي حال من الأحوال فيلم "الحركة" ولا يطمح المخرج لذلك. بالرغم من أن تلك المشاهد محبوكة بشكل احترافي إلا أن سبيلبورغ تعمد أن يجعل المشاهد يتقزز من مشاهد الموت والعنف ويجعلنا نرغب ونتمى التعجيل بنهاية تلك المشاهد كما يتمنى الجميع نهاية صراع كتب له أن يدوم طويلا. مشاهد القتل كانت تدمر الضحية والقاتل أيضا حيث يخرج البطل كل مرة أكثر وحشية وأقل إنسانية.الفيلم يتجاوز التحديد الكلاسيكي للأفلام والصراع بين "الخير" و"الشر" حيث نصل في مستوى معين من الفيلم إلى فقدان بوصلة الخير والشر، ونصبح في حيرة من أمرنا حول التصنيف الذي يمكن أن نحدد به انتماء كل فرد للخندق المناسب. يحس البطل أنه يخسر قيما كان يؤمن بها. وتنجلي أمامه غيوم الاعتقاد الزائف. يكشف البطل في الأخير أن الضحايا الذين نفذ فيهم حكم الموت لا علاقة لهم بحادث ميونخ. سينقلب السحر على الساحر وسيحس البطل أنه مستهدف من الأعداء والأصدقاء معا. ليأخذ قرارا صعبا و عنيفا و مهينا للوطن حين يرفض العيش في إسرائيل وهي ضربة قوية لدولة هدفها الأسمى هو لم الشتات.
إن الكلمة الأساس في هذا الفيلم كما عبر عنها سبيليرغ هي كلمة "Home" يعني بيت والبيت يرمز للوطن، إن الصراع الفلسطيني الإسرائلي ليس صراع ديانات بل هو صراع حول البيت حول الأرض، حول الوطن وحول المطبخ الذي يشتهيه البطل و يحلم به أمام واجهة محل باريسي فخم . المطبخ الذي يريده مسرحا للممارسة هوايته المفضلة: الطبخ، الذي يحيلنا هو أيضا للأم والوطن الأم.
وحتى في البورتريه الذي رسمته له مجلة تيليراما الفرنسية فقد جعلت من سبيلبرغ اليهودي الأكثر شهرة في هوليود وقالت بأن سبيلبرغ عاش علاقة معقدة مع "يهوديته" حين كان صغيرا . فقد كان هدفا للشتائم من الأقران ووصفوه بجميع النعوت السلبية المعادية للسامية لدرجة
جعلته يتبرأ من اسمه وعائلته ويدعي أنه من أصل ألماني . إلى غاية سنة 1993 وفي قمة نجاحه سيتطرق و لأول مرة لانتمائه الديني من خلال فيلم "لائحة شيندلر" الذي جعل منه نصيرا لإسرائيل و بطلا يهوديا بعد أن كان مجرد مخرج أمريكي فذ.



لقد عبر في حوار سابق أنه حكى هذه القصة من وجهة نظر يهودية وأمريكية لأنه يهودي أمريكي. على أي حال فالموضوع شائك وموقف سبيليورغ كان سيحدث ردود أفعال قوية من هذا الطرف أو من الآخر. مهما كان حياده. فالفيلم مساند لإسرائيل و هذه مسألة لا نقاش فيها ومخرجه مساند لإسرائيل أيضا ويصرح بذلك بلا حرج لكنه بالرغم من ذلك كان نقده لاذعا و قاسيا. الزوبعة التي أحدثت حول الفيلم كانت حول إظهار سيبلرغ للفلسطينين كشخوص تحمل قيم "إنسانية" بدل كليشيهات الإرهاب المتداولة في السينما الهوليدية، الفلسطيني أصبحت له وجهة نظر وكلمة يقولها في صراع هو الخاسر الأول فيه. و حتى الولاء للوطن يصبح مهزوزا في الآخر الفيلم، ولن يبقى سوى الولاء الحقيقي للحب ، حب العائلة، الزوجة ـ الحبيبة و الطفلة الصغيرة وحتى الحلم بهذا الوطن الجميل يصبح كابوسا. المطبخ الذي لن يحصل عليه قط و الوطن الذي اختار هجره و الرحيل عنه إلى الولايات المتحدة، وهذا قسوة من سيبليرغ اتجاه إسرائيل. الفيلم ينقل صورة تحول دولة تبحث لها عن شرعية وفي نفس الوقت تكرر نفس فعلة الإرهابيين، الانتقام إذن ما هو إلا حلقة لولبية ستسقط الإنسان من درجة الإنسان إلى حضيض الوحوش.
ومن اللازم تسجيل نوع من الاستخفاف أو لنقل الاستسهال الذي لا نقبله من مخرج عبقري كسبيلرغ، حيث يطرح أفكارا مهزوزة في مشاهد يتعمد فيها الترميز الساذج مما يجعلنا نعتقد أن المخرج يشتم ذكاءنا ويستصغر تفكيرنا، وكمثال على ذلك المشهد الذي يتصارع فيه الفلسطيني والإسرائيلي حول المحطة الإذاعية التي يستمعون لها حيث يلح الإسرائيلي على أغنية عبرية بينما يصر الفلسطيني على لحن عربي ويتوصولون في الأخير إلى حل مرضي للجميع هو أغنية أمريكية شهيرة!! إضافة للتناقض الذي يجسده مشهد الحب بين البطل "أفنر" و زوجته ، حيث يختلط الفعل الحسي بما يحمل من حب وألفة والتحام بمشهد قتل الرهائن وتصفيتهم في ميونخ، حيث نلحظ سقطة لسيلبورغ باعتبار المشهد غير موفق.
يستغل المخرج عنف قتل الرهائن طول الفيلم حتى لا ينسى المشاهد المأساة الأولى مع أفعال القتل البشعة التي نفدها البطل ورفاقه. يبقى الفيلم طوال أطواره المختلفة مسكونا بها ويقحمها المخرج في كل لحظة حاسمة حتى نستسيغ درجات الوحشية التي يتعامل بها البطل. إنه تذكير مستمر وشرعنة لرد الفعل الإسرائلي مع الحفاظ على إنسانية القتلة بابتعادهم عن عائلات "الضحايا".و حرصهم على عدم إلحاق أي أذى بهم . الفيلم يجعل من الكل ضحية و كلا الطرفان في نهاية الأمر "بشر" وضحايا لصراعات سياسية و اقتصادية..
إن الفيلم خطوة للأمام و نوع من النقد الذاتي يتسم بالشجاعة التي ربما تنتظر منا نحن أيضا أي الطرف الآخر في الصراع شجاعة مماثلة ونقدا وخطوة للأمام. ومهما قدم من أطروحات يهودية اسرائيلية إلا أنه يبقى مع ذلك فيلما يطرح أسئلة محرجة حول الإنسان والحرب والدمار النفسي والسيكلوجي نتيجة صراع بدأ يأخذ بعدا أزليا.
جمال الخنوسي