28‏/12‏/2013

روكو سيفريدي ليس مغربيا!

جمال الخنوسي
لو كنت ممثلة تبحث لها عن مكان تحت الشمس لصرحت للصحافة ولكل"جرانين" الدنيا أني "رفضت تقديم أدوار إباحية"، ولو كنت مخرجا مبتدئا لصنعت مجدي من مهاجمة كل من سبقني، ووصفت أفلامهم بالبورنوغرافية وسينماهم بالنجسة التي تخاطب الغرائز حتى أصنع لنفسي طهرانية تساير "موضة الوقت".


في الحقيقة لم يعرض علي أحد لا دورا إباحيا ولا محتشما، ووراء ابتسامتي المصطنعة تنهشني العطالة وتأكلني الرغبة في الظهور، كما أني كمخرج "فرض نفسه"، لا أعرف ما تعنيه كلمة "ساقطة" بل أخفي وراء لطفي الزائد، تملقي وانبطاحي، كي أبحث لنفسي عن موقع في لجنة سينمائية من اللجن التي تفرخ في كل مكان.
لا أنا فنانة "عابرة سرير" ولا مخرج فاشل، بل قارئ مل الخزعبلات التي تصدع رؤوسها كل يوم، وكأن كل الحوارات حول الفن والسينما يكتبها شخص واحد: نفس التعابير، نفس الكلمات، نفس الصيغ، ترهات كتبت بالحبر نفسه والسذاجة ذاتها.
“أرفض تقديم الأدوار الإباحية" تقول الممثلة من الدرك الأسفل، و"لا أقدم أفلاما ساقطة" يقول المخرج البدائي... وهلما جرا من الخزعبلات التي لا تليق سوى لملئ فراغات الجرائد أو لحملة اشهارية فاشلة لفيلم قادم.
كل هذه الأنا المتضخمة التي تميز بعضا من نجومنا تدعو إلى الشفقة والغثيان بالقدر ذاته، فدروس الأخلاق والعفة أصبحنا نسمعها من كائنات يمكن ان تبيع أي شيء من أجل دور كومبارص في فيلم مقزز، بعد أن أثر على سلامتها العقلية خليط البوتوكس والورع. وأشباه مخرجين تعلموا الحرفة من كثرة الوقوف إلى جانب "الماتيريال"، قريبين من السحليات منه الى شيء آخر من كثرة الانبطاح والتسول.
اسمحوا لي أن أفاجئكم بالقول إن روكو سيفريدي ليس ممثلا مغربيا، و"ليزا ديل سيارا" لا تحضر المهرجان الوطني بطنجة، و"جون بيروث" لا يطلب الدعم من المركز السينمائي.

روكو سيفريدي ليس مغربيا! لم يعرض علي أحد لا دورا إباحيا ولا محتشما، ووراء ابتسامتي المصطنعة تنهشني العطالة وتأكلني الرغبة في الظهور


اسمحوا لي أن أخبركم أني لا أفهم ما تقولون، فلم أر على مدى سنوات من المتابعة أفلاما ساقطة بل سينمائيين يشقون طريقهم بصعوبة، ويعبرون عن عوالهم باللغة التي يفهمونها، ولم أشهد أبدا أدوارا إباحية بل ممثلات يقمن بمهنتهن دون زيف أو سكيزوفرينيا.
إليكم جميعا أيها الفاشلون والفاشلات في كل شيء كان عليكم أن تتعلموا إغلاق أفواهكم قبل تعلم المشي، فنحن لا ننتظر منكم لا أدوارا اباحية ولا أفلاما ساقطة لأن الساقط الوحيد في كل هذا الضجيج هو أعمالكم التي تسمونها سينما

لماذا فشل الخلفي في إصلاح التلفزيون؟

جمال الخنوسي
إذا كان من اللازم تحديد خصلة واحدة فقط يتميز بها وزير الاتصال، مصطفى الخلفي، سنذكر له براعته في انتقاء اللجن لكل شيء (لجنة لتنظيم المهرجانات، ولجنة تحديث إالقاعات السينمائية...)، وتسطير الكتب البيضاء (كتاب أبيض للصحافة الالكترونية، وآخر للسينما... )، وعقد المناظرات الوطنية (المناظرة الوطنية حول السينما...). واليوم يعود الوزير الشاب من جديد ليتوسل عقد مناظرة وطنية حول إصلاح الإعلام السمعي البصري بعد أن وصل القطاع في عهده إلى الموت.



أكثر من سنتين بعد معركة دفاتر التحملات تبث أن أحلام الخلفي لا علاقة لها بالواقع، حيث فشل في كل ما سطره بحماسة الشباب، وما كان أحلاما وردية باعها في وسائل الإعلام عن الحكامة والشفافية، وخزعبلات الكم والكيف وأسطورة الانتاج الوطني، والمقاربة التشاركية العزيزة على قلبه، وصل المجال برمته إلى الطريق المسدود، ويوجد اليوم في حالة كارثية حقيقية: القنوات العمومية تعيش على الإعادات، الشيء الجديد فيها نشرات الأخبار وحالة الطقس، أما حالة العاملين في السمعي البصري فتدعو للشفقة بعد أن فقد الكثيرون وظائفهم وركن جلهم للعطالة بعد أن سرحتهم شركات الانتاج التي لم تعد تقوى على تسديد رواتبهم، أو لم تعد تطلب خدماتهم لغياب انتاجات جديدة.  الصورة كارثية إذن، وما قيل قبل مدة حول دفاتر التحملات الغير الواقعية لم يقو الشاب الوزير على "تنزيل" شيء منها. ما الحل إذن؟الحل كما تفتقت بذلك نباهة الشاب الوزير هو "عقد مناظرة وطنية حول إصلاح الإعلام السمعي البصري"، لكن المهم هنا بالنسبة إلى الخلفي ليس المناظرة في حد ذاتها، فقد اكتسب باعا طويلا في تنظيم المناسبات والسفريات، بل الأساس هو الظفر برعاية ملكية، من أجل توفير الحماية وإخراس الألسن المزعجية. الرعاية الملكية بالنسبة إلى الخلفي مقاربة نفعية و"مصلحجية"، سيقي من خلالها نفسه من الاتهام بأن مبادراته وراءها خلفيات سياسية، (وإن كان الأمر كذلك)، وبالتالي سيطلب الرعاية كدرع سيحول أسلوب الرعاية إلى أسلوب جديد من الريع، يتجاوز التجانس اللغوي بين الكلمتين إلى حدود التنافر بين المقاربتين.  إن ما ما يقوم به الخلفي اليوم جبن سياسي يبرره بإقحام الملك في الشأن العام. وما عليه سوى تحمل مسؤولياته وتطبيق سياسة حكومية في منأى عن إقحام الملك في سياسة قطاعية. وإلا لماذا لم يطلب زميله الحبيب الشوباني،الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، بالرعاية الملكية قبل إطلاق الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة؟  لأنه قرر تحمل المسؤولية وليس الاختباء، والتهافت على الرعاية الملكية التي تفتح الباب أمام التأويلات والاستيهامات التي لا حدود لها: الرعاية تعطلات يعني الفوق ما باغيينش؟ الرعاية جات بزربا يعني الفوق راضيين؟؟؟؟ هنا تتجلى خطورة إقحام الملك في قضايا قطاعية لأن الرعاية تكون في سياقات تقاطع نماذجنا الوطنية مع نماذج أخرى، أما القضايا الداخلية فليتحمل المتهافتون على المناصب مسؤولياتهم، وإذا وقع تصادم بين المؤسسات فإن الملك هو الضامن لحسن سيرها طبقا للمادة 42 من الدستور.الحديث اليوم عن مناظرة وطنية أو دولية أو أي خزعبلات من هذا القبيل لا يعدو أن يكون هروبا إلى الأمام بعد أن أحرق الوزير سفنه على عتبة دار البريهي، إلا أنه خلافا لطارق بن زياد، خسر الخلفي معركته وينتظر اليوم الخلاص من "السماء”.


25‏/10‏/2013

بعد "ماروك"... ليلى المراكشي تقدم فيلما محبطا هدفه البوليميك واستفزاز الإسلاميين

جمال الخنوسي

إذا كانت ليلى المراكشي تثقن شيئا، فإنها تملك قدرة عجيبة على الإزعاج، ووضع أصبعها على الجرح لتؤلم أكثر أو تثير البوليميك من حولها.
بعد فيلمها الروائي الأول "ماروك" الذي أشعل جدلا ساخنا في 2004، تعود "الطفلة المشاغبة" بفيلم جديد طال انتظاره، رصدت له ميزانية لا بأس بها، وكاستينغ جمع أسماء وازنة مثل المصري عمر الشريف، واللبنانية نادين لبكي، والبلجيكية لبنى أزابال، والإسرائيلية هيام عباس.  
قدمت المراكشي إذن فيلمها الجديد، ذي الجنسية المغربية الفرنسية "روك ذا كاسبا"، في عرض ما قبل الأول، أمس الخميس، بالمركب السينمائي ميغاراما، لتحكي قصة عائلة تدفن رب الأسرة المتسلط. وعلى مدى أيام الجنازة الثلاث، يسترجع الجميع الذكريات وتحدث مصادمات، لتنكشف الأسرار وتبدأ تصفية الحسابات بعد رحيل رمز النظام المتسلط الذي تمنحه المراكشي اسم "مولاي الحسن"!
التحدي كان كبيرا، ووعدت ليلى بفيلم يثير النقاش حول وضع النساء، ليس في المغرب فحسب، بل في كل العالم العربي، وستثير في فيلمها الجديد قضايا شائكة مثل الجنس والإرث... وغيرها من المواضيع التي تثير حفيظة الإسلاميين الذين شكلوا أحسن حملة إشهارية لفيلمها الأول "ماروك" بكل ما صاحبه من ضجيج. الإسلاميون الذين تقول عنهم ليلى، " إنهم اليوم في السلطة، وهم أنفسهم الذي حاصروا فيلمي الأول، ماروك. ولكن يجب علينا أن نقاوم، لأن الثقافة لا تزال أفضل سلاح ضد الظلامية".
الأمل كبير إذن، وربما سيشكل "روك ذا كاسبا" إعلان نضج مخرجة شابة تعد بالكثير.

لسوء الحظ كانت النتيجة محبطة، وعلى مدى ساعة و40 دقيقة لم نعرف غير الإحباط والملل القاتل، وبدل فيلم ذكي كنا أمام عمل ينضح بالسذاجة. وفي انتظار الجدل كنا أمام الاستفزاز، وفي بحثنا عن العمق كنا أمام السطحية... اللغو ولا شيء غير اللغو، بكل لغات العالم! (الدارجة والفرنسية والانجليزية) حيث تهجى الجميع جملا بالدارجة المغربية غير مقنعة أو لم تكن في محلها، الفنانة راوية (فاطمة هراندي) الوحيدة التي لم تكن نشازا وسط الفوضى العارمة.
إن تصوير فيلم مبني على رصد العلاقات المتوترة والمتشنجة بين الشخصيات، تمرين صعب جدا، يفشل فيه المخرجون العتاه حتى في هوليوود، والحديث وجها إلى وجه مع الكاميرا تحد لم يفلح فيه حتى الآن سوى العبقري وودي ألان، فكانت سقطة المراكشي مدوية، وقدمت بالتالي فيلما مليئا بالكليشيهات، وحكاية مهلهلة كل تفاصيلها متوقعة، بنهاية ساذجة تدفعنا للقول إن المراكشي رفعت تحديا أكبر من إمكاناتها دون أن تنفعها نخبة الممثلين المرموقين، ولا العمل التقني الرصين أو جوقة المنتجين الأجانب... ولم تثر داخلنا لا الرغبة في النقاش، ولا الأمل في إطلاق الجدل أو الحديث عن المسكوت عنه... ولم تنل في نهاية المطاف سوى شرف المحاولة ولاشيء غير المحاولة.

10‏/12‏/2012

تي إن تي... التلفزيون فوق برميل بارود

جمال الخنوسي
سماء السمعي البصري تتلبد يوما بعد آخر، وكل المؤشرات تدل على أن عاصفة قادمة وأعاصير محدقة، ربما ستعصف بما تبقى من صفو جو تتعاقب عليه التيارات الباردة والساخنة، مع انفراجات قصيرة سرعان ما تترك مكانها للتوتر. العارفون بالأمور يقولون إن معركة دفاتر التحملات لم تكن إلا بداية تسخينية في انتظار معارك حقيقية من المرجح أن تكون التلفزة الرقمية الأرضية ساحتها المقبلة. 
هل يعيد ملف التلفزة الرقمية الأرضية إنتاج العناصر نفسها التي خلفت معركة دفاتر التحملات بكل نتائجها الكارثية على القطاع الذي يشهد ركودا قاتلا منذ قرابة سنة؟
يمكن الاعتماد على ثلاثة مستويات من القراءة من أجل شرعنة هذا السؤال:
أطراف النزاع
المستوى الأول مرتبط بوجود قواسم مشتركة بين الحالتين، إذ أن ملف التلفزة الرقمية الأرضية تتقاطع فيه الأطراف الرئيسية ذاتها التي كانت معنية بنزاع دفاتر التحملات (القطب العمومي والحكومة والهيأة العليا للاتصال السمعي البصري). ويعتبر القطب العمومي شريكا أساسيا في مشروع التلفزة الرقمية الأرضية لأنه أول من أطلق "تي إن تي" في 2007، وهو أيضا من مكن اليوم من تغطية 80 في المائة من التراب الوطني بالتلفزيون الرقمي الأرضي، أما الحكومة فتستمد شرعيتها من أنها تمتلك الاختصاصات التمويلية في تنفيذ السياسة العمومية. فيما تقدم الهيأة العليا للاتصال الخبرة التقنية والقانونية، إذ رافقت ملف التلفزة الأرضية الرقمية منذ إطلاقه في 2007 كما أنها تمنح التراخيص للقنوات التلفزيونية الخاصة، بصفتها الزبون المقبل لهذا النوع من البث.
تقاطع خطير
المستوى الثاني للفهم مرتبط بالجواب عن أسباب الأزمة التي يعتبر التنازع في الاختصاصات والصلاحيات وحتى المبادرات مصدرها الأساسي، ومن هنا جاءت أيضا مشكلة دفاتر التحملات الشهيرة إذ أن حدود التماس التي تميزت بها هي نفسها المتوفرة اليوم في ملف "تي إن تي".
أكثر من هذا ستزيد الوضعية القانونية المبهمة في للأطراف الثلاثة المشتركة في ملف "تي إن تي" في تفاقم الوضع وزيادة في أسباب التوتر والتصعيد، إذ لا يوجد إلى حد الساعة إطار قانوني يوضح ويؤطر التلفزة الرقمية، فما بالك بمعرفة الحدود والاختصاصات، الأمر الذي يجعل التلفزة الرقمية الملك المشاع وفي أحسن الحالات ملكا لورثة كثر وجدوا أنفسهم بعد الدستور الجديد والحكومة الجديدة وأزمة دفاتر التحملات الاخيرة مجبرين على إعادة اقتسام تركة الأمس التي عمرها 5 سنوات من التلفزة الرقمية.
ولم تساعد النصوص القانونية المتوفرة في حالة دفاتر التحملات على تجاوز المشكل، أما في ملف "تي إن تي" فإن الحالة أصعب إذ لا وجود لقانون بالمرة ما يجعل الأمر مرشحا لتوتر أكبر.
الثابت والمتحول
أما من أجل فهم المستوى الثالث للقراءة فيجب العودة إلى قضية دفاتر التحملات التي صيغت في نسخة شهر مارس بمنطق حكومة وليس بمنطق دولة، علما أن القانون يقول إن الإعلام العمومي ينفذ سياسة الدولة، وبالتالي فإن المشرع كان ذكيا عندما لم يلزم الإعلام بتنفيذ سياسة حكومة على أساس أننا هنا أمام جدلية الثابت والمتحول: فالحكومة تحولها صناديق الاقتراع التي تجعلها إسلامية أو تقدمية أو تكنوقراطية أو حكومة ائتلاف... أما الدولة فتعبر عن خيارات مجتمعية ما أعطى مبررا إلى تعديل دفاتر التحملات بعد التحكيم الملكي.

إن التلفزيون ليس قضية سياسية فحسب، ولا رهانا للتجاذب وربح المكاسب الصغيرة والكبيرة، بل هو أولا وقبل كل شيء حرفة لها أصحابها ومهنيوها ومحترفوها، ومن غير المعقول ترك التلفزيون "ليعبث فيه" السياسي على حساب المهني.
لقد كان قانون الاتصال السمعي البصري (03 - 77) واضحا في هذا المجال ولم يترك مجالا للالتفاف عليه وتحدث في فصوله المتعددة (المادة 47 و51 و52 و54...) عن الدولة كفاعل أساسي ومحوري حتى يقطع الطريق أمام التأويلات السياسوية أو المذهبية أو الحزبية، لأن الحزب أو الحكومة عابران، أما الدولة فقائمة ومستمرة.
القنوات العمومية لا تعكس قناعات حكومة أو حزب بل تنفذ سياسة الدولة التي تعبر عنها جميع مكونات المجتمع المغربي: الملك والبرلمان والحكومة والرأي العام والصحافة والمجتمع المدني... والخلط الذي وقع للخلفي بين تصور الدولة للإعلام وتصوره الحزبي للتلفزيون ساهم في خلق الزلزال الذي هدد بالانقسام داخل المجتمع وداخل الائتلاف الحكومي الهش.
مشروع سيادي
أين تتجلى ملامح مشروع الحكومة ومشروع الدولة في قضية "تي إن تي"؟
مشروع التلفزة الرقمية الأرضية يحمل بعدا سياديا على مستويين: مستوى تقني لوجستيكي وآخر متعلق بالمضمون.
على المستوى التقني فإن الانتقال من البث الهرتزي إلى البث الرقمي الأرضي سيتم في 2015، واستعدادا لهذا التاريخ الرئيسي فإن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون قامت إلى حدود اليوم بتغطية 80 في المائة من التراب الوطني، لكن نسبة التجهيز لدى السكان لا تتعدى 5 في المائة مع أننا على بعد 3 سنوات فقط.
نحن إذن  في حاجة الى عملية أشبه بعملية مارشال لتجهيز البيوت. إذ أن مسألة التجهيز أساسية وتتطلب إمكانات مالية كبيرة وحلولا عبقرية. فقد سبقتنا دول اخرى  في هذا المجال، وكل منها تبنى حلا أو حزمة حلول لمعضلة التجهيز إما عبر توزيع أجهزة الاستقبال، أو منع دخول التلفزيونات التي لا تتوفر على "تي إن تي" مدمج، أو سحب الأجهزة من السوق، أو بيع أجهزة الاستقبال بثمن رمزي... وكلها حلول لها كلفة مالية علما أن الميزانية مثقلة بهموم أخرى.
في إطار تحقيق الانتقال، اعتمدت البرتغال على ساعي البريد للوصول الى المناطق النائية لمساعدة الناس في التجهيز والتركيب. وفي فرنسا ساعدت الدولة في توزيع أجهزة الاستقبال بثمن رمزي هو ثلاثين أورو.
ولابد من الإشارة هنا إلى مذكرة أصدرتها وزارة الصناعة والتجارة والتكنولوجيا الحديثة، في عهد حكومة عباس الفاسي، تتضمن معايير جديدة لاستيراد أجهزة التفزيون ذات "تي إن تي" مدمج.
المعادلة واضحة إذن: الحكومة توفر الكلفة المالية، والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون تنجز، والهيأة العليا للاتصال السمعي البصري تقدم الخبرة.
من جهة أخرى فإن المضمون يطرح بدوره مشكلا سياديا، إذ أن المضمون الضعيف لا يغري بالمشاهدة واقتناء الأجهزة المزودة ب"تي إن تي". فقناة أفلام مثلا انشأت بميزانية 0 درهم، وبرمجتها لا تضم أفلاما حديثة ولا تشتري حقوق بث الإنتاجات الهوليوودية الجاذبة لنسب المشاهدة. والقناة الرياضية متوفرة على الساتل وتقدم البطولة الوطنية على غرار القناتين الأولى والثانية. أما الرابعة فمسخ تلفزيوني بلا تصنيف.
لقد تعاملت الحكومات المتعاقبة على مدى سنوات مع فيصل العرايشي، الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون ورئيس القطب العمومي ، كالساحر الذي يطلب منه خلق القنوات من العدم. فميلاد القنوات التلفزيونية كان تنفيذا لسياسة حكومية محضة وليست لحاجيات مجتمعية حقيقية. كما نفذ الإعلام العمومي على مدى سنوات سياسات عمومية، ورضخ لإملاءات حكومية عجيبة إذ نحن الوحيدون الذين ينشئون قنوات تلفزيونية بشراكة مع وزارات! (الرابعة مع وزارة التربية الوطنية، والسادسة مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية).
القنوات الخاصة هي الحل
من أجل تجاوز معضلة المرور إلى التلفزة الرقمية الأرضية لابد من الإسراع بإطلاق تراخيص قنوات تلفزيونية خاصة، ومنحها البث الرقمي الأرضي الذي من مهامه انعاش التلفزة الرقمية الأرضية. ففي فرنسا، التي نستأنس بتجربتها في العديد من المجالات، لم تكن مؤسسة "فرانس تيليفزيون" الجاذب الوحيد ل"تي إن تي" بل إن القنوات الخاصة هي التي فتحت شهية الفرنسيين للوافد الجديد (تي إف 1، وإم 6، ودي 8...).
تحسين المضمون
إضافة إلى منح تراخيص قنوات خاصة لابد أيضا من تطوير مضمون القنوات العمومية. فالحكامة والتنافسية والجودة شعارات جميلة، لكن المهم هو كيفية تحقيقها وتنزيلها، فتطوير مضمون القنوات السبيل إليه هو خلق صناعة تلفزيونية حقيقية.
إن الانتقال الرقمي تحول جوهري في المجال السمعي البصري بل داخل المجتمع ككل مثله مثل الانتقال الديمقراطي، يجب ألا يكون مجالا للمزايدات السياسوية.
الجميع إذن يريد أن ينسب الانتقال الديمقراطي إليه، والمطلوب هو التنزه عن الاستحواذ عليه من طرف الأشخاص أو الأحزاب. كذلك الأمر بالنسبة إلى ملف التلفزة الرقمية الأرضية الذي أصبح طريدة تسيل لعاب البعض في حين أن الفاعلين الثلاثة (الحكومة والقطب العمومي والهاكا) معنيون بهذه الثورة الرقمية بشكل عادل ومتساوي.