04‏/04‏/2010

ساركوزي يهين رشيدة داتي صديقة الأمس

انتزع منها هاتفها وسيارتها والسائق الخاص وضباط الأمن بعد أن عاكسته في تدخل تلفزيوني

تعيش وزيرة العدل السابقة رشيدة داتي، المتحدرة من أصول مغربية، حالة من الإحباط والقلق بعد أن صب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، صديق الأمس، جام غضبه عليها وحرمها بشكل مفاجئ من مجموعة من المزايا التي استفادت منها حتى بعد مغادرتها الحكومة. وتحولت ابنة حي سباتة من "وزيرة ساركو المدللة"، وصديقة زوجته كارلا بروني، والشخصية التي حاول من خلالها "التعبير عن انفتاح فرنسا واحتفائها برموز الاندماج من أبناء الهجرة" إلى عدوة لدودة يجب محاصرتها.
والسبب في كل هذا أن الرئيس لم ترقه تعليقات داتي بعد الهزيمة النكراء التي حضي بها حزبه خلال الانتخابات الأخيرة واستحواذ الاشتراكيين على جل المقاعد.

ووفقا لجريدة "لوكانار أنشيني" الساخرة، فإن نيكولا ساركوزي استشاط غضبا عند سماع المتحدثة السابقة باسم حملته الانتخابية الرئاسية، ووزيرة العدل السابقة، تتحدث على قناة "فرانس2" خلال ليلة الانتخابات. إذ شكل صوتها نغمة نشازا عما رددته الأغلبية المنكسرة ليلة الاكتساح الكبير لليسار والهزيمة النكراء التي مني بها حزب الرئيس.
ونقلت الجريدة الفرنسية أن داتي طالبت ب"العودة إلى الأصول" والقيم الأولى للحزب، وبأن ساركوزي صاح غاضبا أمام التلفزيون، "ماذا كانت تفعل هناك؟ لم نرها طيلة الحملة الانتخابية، والآن تقف أمام الكاميرات لإسداء النصح"، فقرر على الفور اتخاذ تدابير جزرية ورادعة ضد حارسة الأختام السابقة.

وحسب الجريدة ذاتها فإن نيكولا ساركوزي اتصل هاتفيا على الفور ب"فريدريك بيشنارد"، صديق الطفولة والمدير العام للشرطة الوطنية. وفور خروج داتي من بلاتوه القناة الفرنسية الثانية، باغتها ضباط الأمن التابعون إلى مصلحة حماية الشخصيات المرموقة بالقول، "عذرا سيدتي، يجب أن نذهب، هذا أمر من أعلى"، فاضطرت البرلمانية الأوربية إلى ترك سيارة "بوجو 607" والسائق، وضباط الأمن، يذهبون إلى حال سبيلهم دون أن ينسوا بطبيعة الحال أخذ هاتفها المحمول أيضا.
من جهتها أوردت جريدة "ليبيراسيون" أن رشيدة داتي غاضبة جدا لكنها لا تتهم نيكولا ساركوزي بل وزير الداخلية " بريس أورتيفو" الذي حاول الاتصال بها صباح أول أمس (الثلاثاء)، بعد أن قرأ الخبر في جريدة "لوكانار أنشيني" للاعتذار، لكنها أقفلت الخط في وجهه.
ورأت بعض وسائل الإعلام أن "أورتفو" مجرد كبش فداء وأن التعليمات جاءت من سلطة أعلى من وزير الداخلية. فيما ذهبت أخرى إلى تشبيه رشيدة داتي "دمية ساركوزي المدللة" ب"سيندريلا" التي فقدت "عربتها" ومزاياها بعد دقات ساعة الحسم عند منتصف الليل.

وكانت رشيدة داتي تركت "مجبرة" وزارة العدل في يونيو الماضي، واستبدلت منصبها بمقعد في البرلمان الأوربي، وتمكنت من الحصول على وعود بالحفاظ على مجموعة من الامتيازات الرمزية لكنها وجدت نفسها، فجأة، مجبرة على التنازل عن سيارة "بيجو 607" الفاخرة وتعود إلى سيارة "تيوتا بريوس" المتواضعة التي توفرها لها المقاطعة السابعة في العاصمة باريس.
جمال الخنوسي

سينما "أ بي سي" في حلة جديدة

زارتها لجنة من المركز السينمائي وستستفيد من إعفاء ضريبي

زارت لجنة تابعة إلى المركز السينمائي المغربي القاعة السينمائية الشهيرة "أ بي سي" في قلب مدينة الدار البيضاء، ووقفت على الإصلاحات والترميمات المهمة التي أجراها عليها صاحبها أخيرا.
وعبر مصدر مطلع من المركز السينمائي عن رضى لجنة الخبراء المكونة من تقنيين وقانونيين من مستوى الترميمات مشيرا إلى أن "الخبراء ثمنوا المجهود المبذول".
وسيمكن ترميم القاعة التي غدت تراعي الشروط الصحية لعرض سينمائي سليم وبمعايير عالية، صاحب القاعة من الاستفادة من إعفاء ضريبي لمدة خمس سنوات.
وعرفت القاعة السينمائية الواقعة بشارع محمد الخامس بنادي سينمائي عريق يحمل اسم "كونيسونس دي موند" (أو معرفة العالم) كان يعرض في وقت سابق أبرز الأفلام الوثائقية التي تعرف بمناطق مختلفة من العالم، إلا أن مستواها تراجع بشكل ملحوظ قبل سنوات، ولم تعد تتوفر على الشروط اللازمة لعرض الأفلام السينمائية في ظروف مواتية.
وشملت مثل هذه المبادرات مدنا أخرى على رأسها مدينة طنجة حيث أعلن في وقت سابق عن استرجاع الذاكرة السينمائية لعروس البوغاز من خلال ترميم قاعتي سينما ألكزار وفوكس في إطار خطة المركز السينمائي المغربي بشراكة مع الجماعات الحضرية لترميم مجموعة من القاعات بمختلف تراب المغرب، والتي بموجبها سيتم ترميم ما يناهز 40 قاعة.
وانطلق التفكير بشكل جدي في معضلة القاعات السينمائية منذ سنة 2007 مع استراتيجية عشر سنوات للنهوض بالسينما في المغرب التي تبناها المركز السينمائي المغربي، إضافة إلى تبني نتائج الدراسة الإستراتيجية التي قضت بدعم الإنتاج وتطويره من خلال الحفاظ على المكتسبات التي تحققت في الميدان الإنتاجي وصندوق الدعم مع التركيز على ترميم القاعات خصوصا تلك المتميزة بحمولة تاريخية وفنية.
وأكد محمد باكريم، المسؤول عن التواصل، في تصريح سابق ل"الصباح" أن المركز السينمائي يشتغل بشكل دؤوب من أجل إقناع الجماعات المحلية لتبني هذه المبادرة الثقافية الهامة، واستطاع إقناع جماعات حضرية في مدن عدة مثل خريبكة وأكادير وغيرهما، مشيرا إلى وجود جماعات بادرت بدورها إلى تبني هذا المشروع بشكل تلقائي، كما هو الحال في مدينة مرتيل حيث اقتنت الجماعة سينما الريف بتعاون مع النادي السينمائي المحلي والجمعيات الثقافية هناك من أجل تنشيط المدينة وتشجيع الفن السابع.
وأشار باكريم إلى أن المخطط الحكومي الرامي إلى تشجيع ودعم المجال السينمائي، له ثلاثة جوانب هي تشييد مركبات سينمائية كبرى وإنشاء قاعات القرب، والحفاظ واسترجاع القاعات ذات الحمولة الرمزية والتاريخية.
وفي السياق ذاته ذكرت مصادر مطلعة ل"الصباح"، أن عقد البرنامج الذي يتم التحضير له، بين الحكومة والمركز السينمائي والمهنيين، خصص ميزانية لدعم القاعات السينمائية وغلافا ماليا لاستغلال المركبات السينمائية الجديدة قدر ب180 مليون درهم و 54 مليون درهم خاصة بتجديد القاعات الموجودة.
جمال الخنوسي
الصورة
واجهة قاعة سينما "أ بي سي" التي خضعت للترميم (أحمد جرفي)

"بزيز" فرنسا يتحدى أقوى وزير في الحكومة

وصف وزير الهجرة والهوية الوطنية ب"الفاشي" فنعته الوزير ب"الممثل الفاشل" و"الجبان الذي يهاب المواجهة"

يتابع الفرنسيون هذه الأيام مواجهة ممتعة، ومسلسلا مشوقا بطله كوميدي معروف بهزله السوداوي وأقوى وزير في حكومة "فرانسوا فيون". إنه نزال حقيقي وصراع للجبابرة لم تخف حدته بعد مرور أسبوع من بدايته، عندما وصف الفنان الساخر "ستيفان غيون" على أمواج محطة "برانس أنتير"، وزير الهجرة والهوية الوطنية، إيريك بيسون ب "الفاشي" والعميل المدسوس للجبهة الوطنية المتطرفة التي يترأسها جون ماري لوبان.
وما يجعل هذا المسلسل أكثر متعة هو أنه يضم، من جهة، صراعا بين السلطة والفنان، ومن جهة أخرى، تلعب توابل الكوميديا لعبتها وتعطي ل"صراع العظماء" هذا نكهة لا توصف، إذ يحرص الفرنسيون على تتبع كل صباح ما سيقوله الكوميدي الساخر في مواجهة جبروت الوزير، كما يصغون إلى ردود الوزير ضد الكوميدي الأرعن.
وبعد أن وصف الفنان غريمه الوزير ب"الفاشي الذي يتنكر في مظهر هزيل"، رد بيسون أنه لا يعير مثل هذه الترهات اهتماما لأنه "سياسي وليس دمية" مضيفا أن هذه الأساليب جديرة "بصحافة اليمين المتطرف في فترة ما بين الحربين".
وأدان وزير الهجرة العنصرية "اليومية والمزمنة" لدى الفنان الكوميدي، لأنه "جبان يهاب المواجهة الحقيقية ويتسلل للخروج من استوديو "فرانس أنتير" كل يوم".
وختم الوزير كلامه بالقول إن ستيفن غيون "ممثل فاشل" فرد الكوميدي أنه إذا كان النجاح المهني بالنسبة إلى الوزير يعني تغيير الجلد كل سنتين فإنه "يفضل الفشل المهني" في إشارة إلى أن بيسون الاشتراكي قبل الدخول إلى حكومة يمينية، وكلفه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بإطلاق نقاش بائد حول "الهوية الوطنية" مع ما خلفه من نتائج كارثية و"ديراباج".
وأنهى الكوميدي كلمته الصباحية ليوم أمس (الاثنين) قائلا إنه شرف كبير أن يخصص له الوزير كل هذا الوقت والاهتمام، "لأنه وقت لم يهدره في وزارة الهجرة والهوية الوطنية".
ومهما طالت المناوشات فسيخلد المحاربان لا محالة إلى الراحة، أو على الأقل سيصلان إلى هدنة مؤقتة، وسيضع المصارعان السكاكين والسيوف و"كل أنواع الأسلحة البيضاء والسوداء". وسيحتل التأمل والسؤال مكان الصراع والأحقاد، وسيسير النقاش أبعد لطرح أسئلة أقوى وأعمق حول علاقة الفن والسياسة، والفن والحرية، وأين تبدأ السخرية وأين تنتهي؟ وما هي حدودها؟ وهل يمكن أن يكون للكوميديا والفن عموما خطوطا حمراء؟
لن نجيب عن هذه الأسئلة لأن الحيز لا يسمح، بل يكفي أن نعقد مقارنة بسيطة ونقول إنه في بلد مثل فرنسا ناطح فنان ساخر وزيرا بقده وقامته على إذاعة تنتمي إلى القطب العمومي دون أن يقطع لسانه أو يخرس صوته، لكن في بلدنا الجميل هناك كوميدي ساخر اسمه "أحمد السنوسي" يضرب عليه حصار منذ 25 سنة. وفي بلدنا تقلم السكيتشات وتشذب كي تفرغ من محتواها وتتحول إلى "أي كلام" لأنه عندنا ليس للفن كرامة ولا للفنان الحق في إعلامه. في بلدنا يا سادة نصنع التلفزيون والإذاعات ونفرخها تفريخا لتلميع الوزراء والسياسيين والمحظوظين وكفى.
جمال الخنوسي
الصورة
ستيفان غيون وإيريك بيسون (خاص)

29‏/03‏/2010

إنفلونزا الخنازير.. سوء التدبير الكبير

أكثر من 17 مليون جرعة لقاح كلفت أكثر من 95 مليار سنتيم معرضة للتلف بعد انتهاء مدة صلاحيتها

قبل أشهر قليلة، عم الهلع وانتشر الخوف، وغدت جائحة انفلونزا الخنازير موضوع الجلسات ونقاش الأصدقاء، وفاتحة الجرائد والمجلات والعنوان الكبير لكل المطبوعات. واستعدت الدول والحكومات كل حسب إمكاناتها، للتصدي لهذه الجائحة الخطيرة "التي تهدد وجود الكائن البشري". أما اليوم فقد بقي المرض وراءنا وتناسى المغاربة اسم الفيروس المركب "H1N1"، وكأن ما حدث مجرد كابوس مفزع استيقظنا منه بسلام. من يقف إذن وراء هذه "الجائحة" المفبركة؟ ومن تنبأ بهذه النهاية التي لم تتم؟ وكم كلف المغرب هذا الكابوس المزعج؟ ومن المسؤول عن سوء تدبير هذه الأزمة الكاذبة؟
قبل أشهر قليلة، سادت حالة من الإرهاب والترهيب، وشمل الخوف الأسر والتلاميذ وكل الشرائح الاجتماعية. ولم يسلم من تهديد إنفلونزا الخنازير أي مهنة أو مجموعة. ومع اكتشاف أول حالة إصابة بأنفلونزا الخنازير بالمغرب يوم الجمعة 12 يونيو 2009، زادت الحمى، واستعدت المؤسسات الكبرى ل"الكارثة"، وسعى الناس إلى التقاط الوصفات الغريبة للوقاية، فبيعت المناديل والمراهم كما لم تبع من قبل. إلا أن الأمور هدأت اليوم بل نسي الناس فيروسا اسمه "H1N1"، وانتهت حالة الإرهاب اليومي، فاطمأنت النفوس وتبدد الكابوس. ولحدود الآن لم تسجل سوى 3054 حالة إصابة على طول التراب الوطني، من بينها 64 حالة وفاة فقط. أكثر من هذا، تقول بعض المصادر المطلعة إنه منذ بداية يناير 2010 لم تسجل أية حالة جديدة لأنفلونزا الخنازير في المغرب.

على المستوى العالمي

أما على المستوى العالمي، فذكرت منظمة الصحة العالمية أن عدد الوفيات الناتجة عن الإصابة بفيروس "إتش1 إن1" في مختلف أنحاء العالم بلغ 16713 منذ اكتشافه في المكسيك والولايات المتحدة في أبريل الماضي. وذكرت المنظمة أنه لم تسجل أية حالة وفاة أو إصابة بهذا الفيروس في أي بلد منذ الخامس من مارس الجاري.
وبحسب تقديرات المنظمة، بلغ عدد الوفيات في إفريقيا 167، وفي الأمريكتين أكثر من 7576، بينما وصل العدد إلى 1019 في الشرق الأوسط، و4571 في أوربا. وفي شرق آسيا سجلت 1664 حالة وفاة، وفي شرق المحيط الهادي 1716 حالة. أي أننا بعيدون جدا عن السيناريو الكارثي الذي رسم للجائحة بشكل محكم.

وفيات وهمية؟

تتحدث الأرقام الرسمية لوزارة الصحة في المغرب عن 64 حالة وفاة، وهو رقم هزيل جدا مقارنة مع ما تنبأ به مسؤولو الوزارة ورددوا بشكل ببغاوي بروبغندا شركات الأدوية الكبرى، ونسبة ضعيفة بالنظر إلى عدد الوفيات بسبب أمراض أخرى "معروفة"، أكثر فتكا وتحتاج إلى اهتمام أكبر وميزانيات أوفر.
64 حالة وفاة نفسها يلفها الكثير من الغموض، وربما تم النفخ فيها كثيرا من أجل رفع حالة الهلع والتخويف والترهيب.
في الاتجاه ذاته صرح الدكتور عمر المنزهي، مدير مديرية الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة، أخيرا، لجريدة أسبوعية، أنه لا يمكن تحديد السبب الحقيقي للوفاة إلا بعد مستويات عدة من التحليل التي يمكن أن تصل إلى حدود التشريح الطبي، وهو ما يجعل عملية الضبط هذه مكلفة جدا. وهذا ما يعني أن العديد من حالات الوفات التي كان سببها أزمات قلبية أو غيرها من الأسباب، نسبت "ظلما"، لأنفلونزا الخنازير.

ارتباك

مدير مديرية الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة، نفسه، قال لجريدة "التجديد"، في وفت سابق، إن الوزارة تتوقع أن يصل عدد الإصابات بأنفلونزا الخنازير بالمغرب ما بين 900 ألف ومليون شخص، وسيحتاجون إلى علاجات من أنواع مختلفة، حسب طبيعة وخطورة الإصابة''، متوقعا أن يعرف المغرب، كغيره من دول العالم، موجات جديدة للإصابة بالوباء في بداية فصل الخريف وفصل الشتاء المقبل. فيما اعتبر الأغضف الغوتي، رئيس التعاضدية العامة للصيادلة ومهنيي الصحة، أن إصابة مليون شخص بالأنفلونزا في المغرب هو أدنى التوقعات الحقيقية، ''ذلك أن منظمة الصحة العالمية تحدثت على 30 في المائة من السكان، وهو ما يرفع عدد الإصابات المتوقعة إلى 9 أو 10 ملايين في غضون الأشهر القليلة المقبلة''، وربط الغوتي بين موجة متوقعة وبين بداية الخريف، وانتقد النظام الصحي بالمغرب، مؤكدا أنه '' نظام صحي منخور، لا يتوفر على سياسة وقائية ولا سياسة دوائية ولا سياسة صحية، وبالتالي لا يمكنه التصدي لهذا الوباء، ولا يتوفر على استراتيجية ناجعة لذلك''.

تصريف اللقاح

وفي الوقت الذي بدأت تتعالى فيه "الأصوات العاقلة" وظهرتالبوادر الأولى التي تبرز أن "الجائحة" لم تكن كما "وعدت" بها شركات الأدوية والجوقات التابعة لها، تراجعت العديد من الحكومات الأوربية وبدأت تبحث لنفسها عن "سوق" لتصريف مخزونها. وقررت الحكومة الفرنسية، في دجنبر 2009، التخلص من جزء كبير من مخزون اللقاحات ضد أنفلونزا الخنازير التي اقتنتها لمواجهة الوباء، من خلال بيعها إلى "البلدان الأجنبية".
وعللت فرنسا هذا الإجراء بأن وزارة الصحة بها اقتنت من المختبرات حوالي 94 مليون جرعة، بمعدل جرعتين لكل شخص يتم تلقيحه، إلى أن أكدت مذكرة للوكالة الأوربية للدواء في فاتح نونبر الماضي أن جرعة واحدة تكفي للوقاية.
وأشارت جريدة "لوباريسيان" نقلا عن مصدر في وزارة الصحة، إلى أنه تم إجراء مفاوضات سريعة مع كل من قطر ومصر والمكسيك وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا للتخلص من المخزون، مضيفة أن فرنسا تقترح اللقاح بالسعر الذي اقتنته به، غير أنها تواجه منافسة من قبل البلدان الراغبة في تصريف مخزونها كألمانيا وسويسرا وهولندا، أما بلجيكا فقد قررت "التصدق" ب10 في المائة من مخزون اللقاحات لفائدة الدول النامية، كل هذا لأن الوباء ليس كما تصور الجميع، أو كما صورته لنا كبريات شركات الأدوية والمختبرات العالمية، التي سوقت لقاحا لم يتم تجريبه بالشكل اللازم أو إخضاعه للدراسة بالشكل الأمثل.

18 مليون تلقيح!

كم اقتنى المغرب من اللقاحات للتصدي إلى الجائحة الوهمية؟
بعض المصادر تتحدث عن مليوني جرعة صرفت منها نصف الكمية فيما بقي النصف الآخر عرضة للتلف.
مصادر أخرى تتحدث عن 18 مليون جرعة بحكم أن منظمة الصحة العالمية كانت تطالب البلدان بتلقيح ما بين 60 و65 في المائة من مجموع السكان. وفي هذا السياق صرح الدكتور عمر المنزهي، مدير مديرية الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة، لجريدة "التجديد" في 17 دجنبر الماضي، "أن اللقاح الذي تلقته المملكة يمكننا من تلقيح ما يفوق 60 في المائة من المواطنين المغاربة".
في ظل غياب تأكيد رسمي يبقى الرقم الأقرب إذن للحقيقة هو 18 مليون جرعة صرفت منها أقل من مليون جرعة.
إذن، ما مآل هذه الكمية الضخمة (17 مليون جرعة)، إذا ما وضعنا نصب أعيننا الفشل الذريع لحملة التلقيح؟ ومن المسؤول عن تبذير كل هذه المبالغ علما أن مدة صلاحية اللقاح لا تتعدى 18 شهرا، وأن الثمن يتراوح بين 3.70 و6 أورو للجرعة الواحدة؟ وهل مبلغ 834 مليون درهم كلفة "انفلونزا الخنازير" حسب تصريحات الوزير الأولى هو الرقم المعقول والكلفة الحقيقية؟

وماذا بعد؟

انتهى الأمر إذن وانكشفت الخدعة الكبيرة وبدا ظاهرا سوء التدبير الذي لف العملية كلها. وفي بلدان محترمة مثل فرنسا حان الوقت للمحاسبة والتدقيق وتحديد المسؤوليات وفضح سوء التدبير في ما يخص صرف ميزانيات هائلة في اقتناء التلقيح والكمامات وحملات التوعية... وبدأت لجنتان برلمانيتان عملهما للتحقيق في الطريقة التي دبرت بها أزمة انفلوزنا الخنازير، أكثر من هذا هناك لجنة تابعة لمجلس الحسابات تدقق بدورها في الأمر. فقد كان من المنتظر أن تهدد الجائحة الاقتصاد الفرنسي، وتم صرف مليار أورو، في حين لم تسفر انفلونزا الخنازير إلا عن 302 حالة وفاة أي بنسبة أقل من أية انفلونزا موسمية "عادية".
الأمر ذاته يمكن أن يقال عن المغرب وتدبير الأزمة يطرح أمامه علامات استفهام بلا نهاية: كم كلف هذا الكابوس المزعج المغرب؟ ومن المسؤول عن سوء تدبير هذه الأزمة الكاذبة؟ ومن استفاد منها؟ أليس من حقنا أن نتساءل عن مآل 834 مليون درهم التي أنفقتها الوزارة على انفلونزا الخنازير بعد أن استنسخت "بشكل ببغاوي موديلا فرنسيا"؟
وحتى إن لم نتمكن جميعا من إيجاد جواب شامل وشاف، فعلى الأقل هناك بوادر أجوبة ظاهرة للجميع.

بوكس: تعتيم
اختارت وزارة الصحة من جديد سياسة النعامة، وقابلت جميع اتصالات "الصباح" بالتماطل والتسويف إلى أجل غير مسمى. وغدت خلية التواصل خلية للتعتيم والبروبغندا في الآن ذاته، تغلق آذانها عندما تطلب منها المعلومة، وتتحول إلى بوق للدعاية المتخلفة عندما يتعلق الأمر بنشاط ترعاه الوزارة أو مبادرة لتلميع وجه الوزيرة.
وبعد أن اعتذر المسؤول عن التواصل في الوزارة بصعوبة الحصول على المعلومات بسبب غياب الوزيرة و"المسؤولين الكبار" في القاهرة لحضور الدورة العادية ال 34 لمجلس وزراء الصحة العرب، وضرب لنا موعد في بداية الأسبوع، عادت الهواتف من جديد لترن بلا مجيب، وحلت العلب الصوتية الخرساء مكان التواصل المؤسساتي عندما وصل اليوم الموعود.
وربما غدت هذه المسألة عادة لدى وزارة الصحة التي تنتهك حقنا في المعلومة، فقد اكتفت على مدى شهور من اندلاع "الجائحة الوهمية" ببلاغات الرعب وأرقام المصابين دون أن تراعي التواصل مع وسائل الإعلام وبالتالي مع المواطنين، وهو الأمر الذي دفع الناس إلى الشك والارتياب ودفع إلى حالة الفتور التي قوبلت بها حملة التلقيح. ومنذ أن أطلقت وزارة الصحة ما سمته "المرحلة الأخيرة" من الحملة الوطنية للتلقيح ضد أنفلونزا الخنازير، من خلال تعميم التلقيح على كل الفئات بالمجان، لم يتدافع الناس إلى 1258 مركزا التي تحدثت عنها الوزيرة ياسمينة بادو بل بقيت فارغة تصرف فيها أموال دافعي الضرائب على الكراسي الفارغة والحقن غير المستعمل والأمصال التي باتت عرضة لانتهاء مدة صلاحيتها.
جمال الخنوسي