29‏/03‏/2010

إنفلونزا الخنازير.. سوء التدبير الكبير

أكثر من 17 مليون جرعة لقاح كلفت أكثر من 95 مليار سنتيم معرضة للتلف بعد انتهاء مدة صلاحيتها

قبل أشهر قليلة، عم الهلع وانتشر الخوف، وغدت جائحة انفلونزا الخنازير موضوع الجلسات ونقاش الأصدقاء، وفاتحة الجرائد والمجلات والعنوان الكبير لكل المطبوعات. واستعدت الدول والحكومات كل حسب إمكاناتها، للتصدي لهذه الجائحة الخطيرة "التي تهدد وجود الكائن البشري". أما اليوم فقد بقي المرض وراءنا وتناسى المغاربة اسم الفيروس المركب "H1N1"، وكأن ما حدث مجرد كابوس مفزع استيقظنا منه بسلام. من يقف إذن وراء هذه "الجائحة" المفبركة؟ ومن تنبأ بهذه النهاية التي لم تتم؟ وكم كلف المغرب هذا الكابوس المزعج؟ ومن المسؤول عن سوء تدبير هذه الأزمة الكاذبة؟
قبل أشهر قليلة، سادت حالة من الإرهاب والترهيب، وشمل الخوف الأسر والتلاميذ وكل الشرائح الاجتماعية. ولم يسلم من تهديد إنفلونزا الخنازير أي مهنة أو مجموعة. ومع اكتشاف أول حالة إصابة بأنفلونزا الخنازير بالمغرب يوم الجمعة 12 يونيو 2009، زادت الحمى، واستعدت المؤسسات الكبرى ل"الكارثة"، وسعى الناس إلى التقاط الوصفات الغريبة للوقاية، فبيعت المناديل والمراهم كما لم تبع من قبل. إلا أن الأمور هدأت اليوم بل نسي الناس فيروسا اسمه "H1N1"، وانتهت حالة الإرهاب اليومي، فاطمأنت النفوس وتبدد الكابوس. ولحدود الآن لم تسجل سوى 3054 حالة إصابة على طول التراب الوطني، من بينها 64 حالة وفاة فقط. أكثر من هذا، تقول بعض المصادر المطلعة إنه منذ بداية يناير 2010 لم تسجل أية حالة جديدة لأنفلونزا الخنازير في المغرب.

على المستوى العالمي

أما على المستوى العالمي، فذكرت منظمة الصحة العالمية أن عدد الوفيات الناتجة عن الإصابة بفيروس "إتش1 إن1" في مختلف أنحاء العالم بلغ 16713 منذ اكتشافه في المكسيك والولايات المتحدة في أبريل الماضي. وذكرت المنظمة أنه لم تسجل أية حالة وفاة أو إصابة بهذا الفيروس في أي بلد منذ الخامس من مارس الجاري.
وبحسب تقديرات المنظمة، بلغ عدد الوفيات في إفريقيا 167، وفي الأمريكتين أكثر من 7576، بينما وصل العدد إلى 1019 في الشرق الأوسط، و4571 في أوربا. وفي شرق آسيا سجلت 1664 حالة وفاة، وفي شرق المحيط الهادي 1716 حالة. أي أننا بعيدون جدا عن السيناريو الكارثي الذي رسم للجائحة بشكل محكم.

وفيات وهمية؟

تتحدث الأرقام الرسمية لوزارة الصحة في المغرب عن 64 حالة وفاة، وهو رقم هزيل جدا مقارنة مع ما تنبأ به مسؤولو الوزارة ورددوا بشكل ببغاوي بروبغندا شركات الأدوية الكبرى، ونسبة ضعيفة بالنظر إلى عدد الوفيات بسبب أمراض أخرى "معروفة"، أكثر فتكا وتحتاج إلى اهتمام أكبر وميزانيات أوفر.
64 حالة وفاة نفسها يلفها الكثير من الغموض، وربما تم النفخ فيها كثيرا من أجل رفع حالة الهلع والتخويف والترهيب.
في الاتجاه ذاته صرح الدكتور عمر المنزهي، مدير مديرية الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة، أخيرا، لجريدة أسبوعية، أنه لا يمكن تحديد السبب الحقيقي للوفاة إلا بعد مستويات عدة من التحليل التي يمكن أن تصل إلى حدود التشريح الطبي، وهو ما يجعل عملية الضبط هذه مكلفة جدا. وهذا ما يعني أن العديد من حالات الوفات التي كان سببها أزمات قلبية أو غيرها من الأسباب، نسبت "ظلما"، لأنفلونزا الخنازير.

ارتباك

مدير مديرية الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة، نفسه، قال لجريدة "التجديد"، في وفت سابق، إن الوزارة تتوقع أن يصل عدد الإصابات بأنفلونزا الخنازير بالمغرب ما بين 900 ألف ومليون شخص، وسيحتاجون إلى علاجات من أنواع مختلفة، حسب طبيعة وخطورة الإصابة''، متوقعا أن يعرف المغرب، كغيره من دول العالم، موجات جديدة للإصابة بالوباء في بداية فصل الخريف وفصل الشتاء المقبل. فيما اعتبر الأغضف الغوتي، رئيس التعاضدية العامة للصيادلة ومهنيي الصحة، أن إصابة مليون شخص بالأنفلونزا في المغرب هو أدنى التوقعات الحقيقية، ''ذلك أن منظمة الصحة العالمية تحدثت على 30 في المائة من السكان، وهو ما يرفع عدد الإصابات المتوقعة إلى 9 أو 10 ملايين في غضون الأشهر القليلة المقبلة''، وربط الغوتي بين موجة متوقعة وبين بداية الخريف، وانتقد النظام الصحي بالمغرب، مؤكدا أنه '' نظام صحي منخور، لا يتوفر على سياسة وقائية ولا سياسة دوائية ولا سياسة صحية، وبالتالي لا يمكنه التصدي لهذا الوباء، ولا يتوفر على استراتيجية ناجعة لذلك''.

تصريف اللقاح

وفي الوقت الذي بدأت تتعالى فيه "الأصوات العاقلة" وظهرتالبوادر الأولى التي تبرز أن "الجائحة" لم تكن كما "وعدت" بها شركات الأدوية والجوقات التابعة لها، تراجعت العديد من الحكومات الأوربية وبدأت تبحث لنفسها عن "سوق" لتصريف مخزونها. وقررت الحكومة الفرنسية، في دجنبر 2009، التخلص من جزء كبير من مخزون اللقاحات ضد أنفلونزا الخنازير التي اقتنتها لمواجهة الوباء، من خلال بيعها إلى "البلدان الأجنبية".
وعللت فرنسا هذا الإجراء بأن وزارة الصحة بها اقتنت من المختبرات حوالي 94 مليون جرعة، بمعدل جرعتين لكل شخص يتم تلقيحه، إلى أن أكدت مذكرة للوكالة الأوربية للدواء في فاتح نونبر الماضي أن جرعة واحدة تكفي للوقاية.
وأشارت جريدة "لوباريسيان" نقلا عن مصدر في وزارة الصحة، إلى أنه تم إجراء مفاوضات سريعة مع كل من قطر ومصر والمكسيك وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا للتخلص من المخزون، مضيفة أن فرنسا تقترح اللقاح بالسعر الذي اقتنته به، غير أنها تواجه منافسة من قبل البلدان الراغبة في تصريف مخزونها كألمانيا وسويسرا وهولندا، أما بلجيكا فقد قررت "التصدق" ب10 في المائة من مخزون اللقاحات لفائدة الدول النامية، كل هذا لأن الوباء ليس كما تصور الجميع، أو كما صورته لنا كبريات شركات الأدوية والمختبرات العالمية، التي سوقت لقاحا لم يتم تجريبه بالشكل اللازم أو إخضاعه للدراسة بالشكل الأمثل.

18 مليون تلقيح!

كم اقتنى المغرب من اللقاحات للتصدي إلى الجائحة الوهمية؟
بعض المصادر تتحدث عن مليوني جرعة صرفت منها نصف الكمية فيما بقي النصف الآخر عرضة للتلف.
مصادر أخرى تتحدث عن 18 مليون جرعة بحكم أن منظمة الصحة العالمية كانت تطالب البلدان بتلقيح ما بين 60 و65 في المائة من مجموع السكان. وفي هذا السياق صرح الدكتور عمر المنزهي، مدير مديرية الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة، لجريدة "التجديد" في 17 دجنبر الماضي، "أن اللقاح الذي تلقته المملكة يمكننا من تلقيح ما يفوق 60 في المائة من المواطنين المغاربة".
في ظل غياب تأكيد رسمي يبقى الرقم الأقرب إذن للحقيقة هو 18 مليون جرعة صرفت منها أقل من مليون جرعة.
إذن، ما مآل هذه الكمية الضخمة (17 مليون جرعة)، إذا ما وضعنا نصب أعيننا الفشل الذريع لحملة التلقيح؟ ومن المسؤول عن تبذير كل هذه المبالغ علما أن مدة صلاحية اللقاح لا تتعدى 18 شهرا، وأن الثمن يتراوح بين 3.70 و6 أورو للجرعة الواحدة؟ وهل مبلغ 834 مليون درهم كلفة "انفلونزا الخنازير" حسب تصريحات الوزير الأولى هو الرقم المعقول والكلفة الحقيقية؟

وماذا بعد؟

انتهى الأمر إذن وانكشفت الخدعة الكبيرة وبدا ظاهرا سوء التدبير الذي لف العملية كلها. وفي بلدان محترمة مثل فرنسا حان الوقت للمحاسبة والتدقيق وتحديد المسؤوليات وفضح سوء التدبير في ما يخص صرف ميزانيات هائلة في اقتناء التلقيح والكمامات وحملات التوعية... وبدأت لجنتان برلمانيتان عملهما للتحقيق في الطريقة التي دبرت بها أزمة انفلوزنا الخنازير، أكثر من هذا هناك لجنة تابعة لمجلس الحسابات تدقق بدورها في الأمر. فقد كان من المنتظر أن تهدد الجائحة الاقتصاد الفرنسي، وتم صرف مليار أورو، في حين لم تسفر انفلونزا الخنازير إلا عن 302 حالة وفاة أي بنسبة أقل من أية انفلونزا موسمية "عادية".
الأمر ذاته يمكن أن يقال عن المغرب وتدبير الأزمة يطرح أمامه علامات استفهام بلا نهاية: كم كلف هذا الكابوس المزعج المغرب؟ ومن المسؤول عن سوء تدبير هذه الأزمة الكاذبة؟ ومن استفاد منها؟ أليس من حقنا أن نتساءل عن مآل 834 مليون درهم التي أنفقتها الوزارة على انفلونزا الخنازير بعد أن استنسخت "بشكل ببغاوي موديلا فرنسيا"؟
وحتى إن لم نتمكن جميعا من إيجاد جواب شامل وشاف، فعلى الأقل هناك بوادر أجوبة ظاهرة للجميع.

بوكس: تعتيم
اختارت وزارة الصحة من جديد سياسة النعامة، وقابلت جميع اتصالات "الصباح" بالتماطل والتسويف إلى أجل غير مسمى. وغدت خلية التواصل خلية للتعتيم والبروبغندا في الآن ذاته، تغلق آذانها عندما تطلب منها المعلومة، وتتحول إلى بوق للدعاية المتخلفة عندما يتعلق الأمر بنشاط ترعاه الوزارة أو مبادرة لتلميع وجه الوزيرة.
وبعد أن اعتذر المسؤول عن التواصل في الوزارة بصعوبة الحصول على المعلومات بسبب غياب الوزيرة و"المسؤولين الكبار" في القاهرة لحضور الدورة العادية ال 34 لمجلس وزراء الصحة العرب، وضرب لنا موعد في بداية الأسبوع، عادت الهواتف من جديد لترن بلا مجيب، وحلت العلب الصوتية الخرساء مكان التواصل المؤسساتي عندما وصل اليوم الموعود.
وربما غدت هذه المسألة عادة لدى وزارة الصحة التي تنتهك حقنا في المعلومة، فقد اكتفت على مدى شهور من اندلاع "الجائحة الوهمية" ببلاغات الرعب وأرقام المصابين دون أن تراعي التواصل مع وسائل الإعلام وبالتالي مع المواطنين، وهو الأمر الذي دفع الناس إلى الشك والارتياب ودفع إلى حالة الفتور التي قوبلت بها حملة التلقيح. ومنذ أن أطلقت وزارة الصحة ما سمته "المرحلة الأخيرة" من الحملة الوطنية للتلقيح ضد أنفلونزا الخنازير، من خلال تعميم التلقيح على كل الفئات بالمجان، لم يتدافع الناس إلى 1258 مركزا التي تحدثت عنها الوزيرة ياسمينة بادو بل بقيت فارغة تصرف فيها أموال دافعي الضرائب على الكراسي الفارغة والحقن غير المستعمل والأمصال التي باتت عرضة لانتهاء مدة صلاحيتها.
جمال الخنوسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق