25‏/10‏/2009

أخلاقيات


للطبيب مكانة خاصة في قلوب المغاربة، اسأل أي طفل من الأطفال عن المهنة التي يريد أن يزاولها عندما يكبر وسيجيبك حتما أنه يرغب في أن يصبح طبيبا. وأجمل الألعاب عند الصغار هي تلك التي يتقمصون فيها دور الدكتور الذي يجري الكشوف على المرضى الوهميين بسماعته البلاستيكية. وحتى الآباء لهم هذا المبتغى والأمل لما تشغله مهنة الطب من وضع اعتباري لديهم ويرون في المستقبل القريب أبناءهم ب"البلوزة" البيضاء يحتلون مكتبا مريحا في عيادة.
وفي المناطق القروية تزداد حدة هذا الولع وتصل إلى درجات أعلى. أو ليس الطبيب من يداعب أرواح الخلق في نوع من الألوهية المتوهمة (بفتح الهاء) أو على الأقل هم أسباب يسخرها الخالق في لعبة الحياة والموت؟
لكن للأسف، حول بعض الأطباء، سامحهم الله، مهنة الطب إلى نوع من الجزارة الآدمية يحكمها منطق وأعراف لا تمت إلى قسم أبقراط بصلة، فجميعنا يسمع كل يوم ويقرأ على صفحات الجرائد حوادث مؤسفة لطبيب "نسي الفاصمة" في بطن مريضة وحكايات وروايات عن جشع بعض أصحاب المصحات الخاصة.
ارتفاع حالات الولادات القيصرية بدوره نوع من أنواع هذا الجشع، وتغليب منطق "البيزنس" على مصلحة المريض، ففاتورة الولادة ب"القيصرية" تساوي ضعف الولادة الطبيعية، حتى غدت "سيزاريان" عملية أوتوماتيكية لا جدال فيها.
صحيح أن العديد من النساء يطلبن الولادة بهذه الطريقة "السهلة"، إلا أن العديد من الأبحاث أثبتت أن "الخوف" هو الباعث الرئيسي لهذا الخيار النسائي، وأن من واجب الطبيب إقناع المرأة الحامل بمنافع الولادة الطبيعية بدل الاستسهال واختيار الخمول، وإجراء عمليات روتينية تدوم كل منها نصف ساعة في صباح بدل السهر إلى جانب النساء "المتوجعات والمتأوهات والمقرفات" طيلة الليل.
هذا لا يمنع أن جل الأطباء المغاربة لهم خبرة عالية، ومصداقية، وسمعتهم تعدت الحدود، كما أن التكوين في الجامعات المغربية يضخ كل سنة أفواجا جديدة من الخريجين الجيدين. إلا أن جميعهم يجب أن يضع نصب عينيه أن مهنة الطبيب لها موقع خاص، واعتبار خاص، وقيمة خاصة، لذلك تبقى من المهن الراقية التي من الضروري الالتزام في ممارستها بأخلاقيات تحفظ للأداء المهني كماله وسموه وطهرانيته.
فقديما اشترط أبقراط مبدأ الطهارة والفضيلة في ممارسة مهنة الطب، وهو المبدأ الذي ما زال الأطباء يحلفون به إلى الآن في جميع بقاع الدنيا.
جمال الخنوسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق