29‏/08‏/2010

تلفزيون الفوضى

قضية "العنصرية" التي تعانيها المغربيات في الخليج يمكن النظر إليها من زوايا متعددة منها الاجتماعية والاقتصادية.. والمؤسساتية أيضا. فما بثه التلفزيون الكويتي يسيء إلى هذا البلد الشقيق أكثر مما يسيء إلى المغاربة أجمعين.
فالبلدان المحترمة التي لها تقاليد عريقة في الإعلام السمعي البصري تتوفر جميعها على هيآت مستقلة لتقنين المجال الحساس والسهر على احترام القوانين والضوابط. والجميع يعرف مؤسسة كبيرة بحجم الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري في فرنسا (CSA) ودورها الرائد في المجال.
وحتى في المغرب على علات إعلامنا السمعي البصري فإننا نتوفر على الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) التي تقوم بدور الدر كي من أجل الحرص على احترام القوانين والتزام المتعهدين بدفاتر التحملات.
وفي ظل وجود مثل هذه المؤسسات، لا يمكن بأي شكل من الأشكال الوقوع في مثل الانزلاقات والتفاهات التي جاءت في السلسلة الكرتونية الكويتية التي أثارت جدلا واسعا.
لنبقى في المنطقة العربية دائما، فالحرب الإعلامية التي نشبت بين مصر والجزائر بسبب مباراة لكرة القدم، وجعلت قنوات البلدين تتبادلان الشتم والسب المقيت من قبيل
"الجزائريين إرهابيين" و"المصريين شحاتين"، وغيرها من العبارات العنصرية والحاطة من الكرامة الإنسانية، لم يكن لها أن تندلع أو تتفاقم وتصب الزيت على نار الخلاف بين الشعبين لو كان للبلدين جهاز أو مؤسسة مهمتها ضبط وتقنين المجال السمعي البصري.
في المغرب كان تدخل الهاكا في كثير من المناسبات رادعا. فقد شهدت الأعمال الرمضانية خلال موسمي 2005 و2006 مجموعة من الانزلاقات العنصرية حول السود مثلا، وجاء في بعض السيتكومات عبارات من قبيل "العزي" و"مشمش فالليالي" و"سراق الزيت" تدخل الهيأة من أجل تنبيه القنوات التلفزيونية حول الخطابات العنصرية وهو ما أدى إلى اختفائها من شاشاتنا.
وفي مثال آخر، أذاعت محطة مغربية خاصة أغنية لفرقة "راب" سعودية تضامنت مع الجزائر ضد المصريين في عز الحرب الكروية، وفي الحين نبهت الهاكا القناة الموسيقية التي امتثلت بدورها ولم تعد بث الأغنية قط.
وجميعنا يذكر أن التوتر بين المغرب والجزائر حينا، وبين المغرب وإسبانيا حينا آخر، وصل إلى ذروته في كثير من المناسبات دون أن تفقد قنواتنا التلفزيونية أو محطاتنا الإذاعية أعصابها وتتجرأ على جيرانها، خلافا لما عليه الأمر عند بلدان الفوضى الإعلامية التي يقال في منابرها "أي كلام".
إن أغلب القنوات التلفزيونية في العالم العربي خلقت بقرار سياسي وليس بقرار مؤسساتي يجعلها خاضعة لقوانين وضوابط، لذلك عندما تسقط تلك القنوات في المحظور، يتدخل "السياسي" من جديد من أجل إصلاح الأمور كما هو الحال بالنسبة إلى الاعتذار المحتشم لوزارة الخارجية الكويتية على الرسوم المتحركة المسيئة إلى المغرب من أجل تهدئة الوضع، لأن المغاربة "حارين" وفي كثير من الأحيان "تسبق أيديهم اللسان" من أجل التعبير.
جمال الخنوسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق