16‏/03‏/2006


كتاب برنار هنري ليفي الجديد american vertigo
رحلة تأملية في أمريكا جورج بوش
عندما نتحدث عن أي فيلسوف فإننا حتما نتخيل رجلا كهلا تميزه الحكمة، فيه كل مواصفات الشيخوخة وعيونه مازالت تحتفظ ببريق الذكاء وإشعاع الفكر. الفيلسوف كائن وحيد منفرد، يسكن برجا عاجيا لا يقربه أحد ولا يقترب من أحد، ولا يخاطب عامة الناس ورعاع القوم.
لكن الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي فيلسوف من فصيلة مختلفة إنه فيلسوف القرن الواحد والعشرين، تختلط فيه وسامة و"لوك" "الروك ستار" ونجوم الأغنية ورجل أغلفة المجلات "البيبل".
يحضر كضيف متألق في أكبر البرامج الثقافية في التلفزيون الفرنسي وفي نفس الوقت يحضر برامج الترفيه والفضائح كما هو الحال في برنامج "Tout le monde en parle" الذي يقدمه تييري أرديسون. يتحدث عن كتابه الجديد "الدوار الأمريكي" american vertigo كما يتحدث عن حياته مع المغنية والممثلة الفرنسية المعروفة أرييل دومبال.
يعد برنار هنري ليفي المزداد سنة 1948 أحد أهم مفكري الفلسفة الفرنسية الجديدة، والتلميذ المميز عند (جاك دريدا) و(لويس ألتوسير)، مع ذلك فلم يكن هنري ليفي رجل فلسفة فقط بل هو روائي وصحفي وأخيراً سينمائي.
درس برنار هنري ليفي في باريس وأصبح أفضل تلاميذ دريدا وألتوسير، في عام 1971 أصبح ذو سمعة كبيرة في موطنه ومسقط رأسه الجزائر ولكنه فضل الإقامة في شبه القارة الهندية، عاش حرب التحرير في بنغلادش ضد البكستان وعمل مراسلاً حربياً لصحيفة (المعركة) اليومية.. هذه التجربة التي عاشها هي التي زودته بالمادة الأولية لكتابه (القومية والثورة) الصادر سنة 1973.
بعد عودته لبلده فرنسا أصبح أستاذاً متخصصاً لمادة (الايبستمولوجيا) في جامعة سترانسبورغ وكذلك أستاذ للمعهد العالي للفلسلفة، عمل رئيساً لأحد أقسام مجلة (أفكار) ونشرت مقالاته في أهم الصحف الفرنسية كالفيغارو والابزيرفاتور وغيرها.
وأصبح اسم هنري ليفي على كل ألسنة المثقفين في كل مكان خصوصاً بعد نشره لكتاب(البربرية بوجه إنساني) عام 1997، ليصبح ظاهرة ثقافية وفكرية معاً و ترجم إلى معظم اللغات الأخرى غير الفرنسية. بعد ذلك ينشر كتابه (عهد الرب) ويتحدث فيه منطلقاً من نصوص الكتاب المقدس ضد العدمية مع جاك أتالي وفرانسوا جيرود.
هذا هو BHL كما يحلو للفرنسيين أن يسموه .
أما كتاب ليفي الجديد هو نوع من الاستطلاع ينجزه الفيلسوف من خلال رحلة طويلة إلى جميع أرجاء الولايات المتحدة، استطلاع مصحوب بتفكير وتأمل ومحاولة الإجابة عن الأسئلة حول الحلم الأمريكي المشروع الأمريكي حول القدرة الهائلة للولايات المتحدة على إنتاج الثروة والبحث عليها وسعي إليها مهما كلف الأمر بكل الوسائل مادامت الآلة الاقتصادية الضخمة ستتحرك.
لقد أصبحت أمريكا بعد الحرب الثانية على العراق مركزا للاهتمام ومحورا لمشاعر وانشغالات متضاربة يختلط فيها الحب بالكراهية والإعجاب بخيبة الأمل والحلم الأمريكي الذي أصبح كابوسا أمريكيا.
ويرى دانييل روندو من مجلة "لير" بأن الكتاب يحتوي على فقرات قليلة جد مهمة ولكن في نفس الوقت يعج بتفاهات يوميات السفر.
فتوكفيل وصل للولايات المتحدة في ماي 1831 لأجل اكتشاف الجمهورية الوحيدة في ذلك الحين . وبنفس الشكل يحل ليفي بالعالم الجديد بعد قرن ونصف للقيام بسفر داخل الولايات المتحدة سيقطع فيه 200000 كلم. كان هدف توكفيل هو الملاحظة المباشرة لمجتمع من صنف جديد والقوى التي تتحكم فيه وتحركه، أما هدف ليفي فهو جد متواضع بالرغم من أنه انطلق بحقيبة ضخمة من الأسئلة الأبدية.
ويرى روندو بأن ليفي تخلص من توكفيل منذ الصفحات الأولى للكتاب التي اعتبرها أحسن الفقرات، و أن ليفي ذهب فقط لمشاهدة ما يجري!!

برنار هنري ليفي قام بمهمته على أحسن وجه قطع المسافات ، وحافظ على حيويته وخص القارئ بتقارير حول الأماكن (مدينة سافانا) وحول الشخصيات المرموقة (الممثل وارين بيتي) أو حول حدث (ندوة كيسنجر) الأمر الذي لا يمنعه من تقديم وجهة نظره وتقديم الدروس والتوبيخ. (حول أخلاقيات مهنة الصحافة مثلا) وكأنه يذكرنا أنه فيلسوف قبل أن يكون رحالة الأزمنة الحديثة.
يقول في حوار له مع مجلة "لوبوان" عن بوش: هناك رجال يولدون لكي يصبحوا رؤساء أما هو فالعكس!
وعن هيلاري كلينتون يقول: كيف تجرؤ امرأة مخدوعة على السعي للعودة لمكان الجريمة!
الكل يعلم تعاطف ليفي مع النخبة اليمينية المثقفة التي تسمى عادة "المحافظون الجدد"، ينتمي للحلقة الضيقة من الفلاسفة الذين فهموا فكوياما، و استشهد به في كتب عديدة Réflexions sur le guerre وle mal et la fin de lhistoire سنة 2002، أما الآن فالكل ينتقد نظرية نهاية التاريخ التي يفسرها فوكوياما في المثال التالي:
"إن الكلب سعيد بالنوم طوال النهار في الشمس، مادام الطعام متوفرا فهو راض على حاله، غير آبه إلى أن الكلاب الأخرى تعيش حياة أحسن من حياته وأن حياته ككلب لم تتغير منذ البداية وبقيت جامدة. إذا ما استطاع الإنسان أن يصل لمجتمع ينعدم فيه الظلم وتسوده العدالة ستشبه حياته إذاك مثال الكلب".
ومع ذلك يبقى ليفي محافظا على نظريته النقدية اتجاه هذا التيار، ويعيب عليه مساندته التامة والكاملة لبوش الإبن ويقول: عندما أذهب للمطعم مع صديق لست مجبرا على طلب جميع أصناف الطعام في القائمة؟!
وليفي ليس مجهولا في أمريكا فكتابه السابق "من قتل دانييل بورل؟" الكتاب الذي يجمع بين القصة والتحقيق الصحفي حول مقتل الصحفي بوول ستريت جورنال الأمريكي دانييل بورل في باكستان. وبيعت منه أكثر من 200000 نسخة ومنذ سنة 1978 عرف كنجم سابق لأوانه ضد الماركسية، وعرف بكتابه "البربرية بوجه إنساني" نجاحا باهرا حيث كان يملأ مدرجات الجامعات وأكبر المعاهد الأمريكية و صفحات مجلة "التايم".
يقول ليفي على هامش "دواره" الأمريكي : إن الطريق هي التي تخلق الكتاب". صحيح لكنه ينسى أن القراءة سفر مقلوب لأن الكلمات هي التي تصنع الطريق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق